
فن التغافل وسلامة الصدر: حين تدرك أن الدنيا لا تستحق
صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتب : عبدالله بنجابي
في زحام الحياة وتسارع وتيرتها، يجد الإنسان نفسه محاطاً بالكثير من المواقف اليومية التي تستفز مشاعره وتختبر هدوءه. كلمة عابرة قد تُشعل خلافاً، وسوء فهم بسيط قد يقطع وصالاً، ومكسب دنيوي زائل قد يُورث في القلب غلاً وحسرة. ننزلق في كثير من الأحيان وراء فورة الغضب، فنستنزف صحتنا النفسية وطاقتنا في معارك صغيرة لا طائل من ورائها، متناسين أن الغضب جمرة تحرق صاحبها أولاً.
إن الانشغال بردود الأفعال والمحاسبة على كل صغيرة وكبيرة يسلب المرء أثمن ما يملك: سكينته وسلامه الداخلي. وحين يغيب الوعي بحقيقة الحياة وقيمتها، تتضخم التفاصيل التافهة لتصبح أزمات تُهدر فيها الأوقات وتتلاشى معها راحة البال، وتبرز هنا الحاجة الماسة إلى وقفة واعية نعيد فيها وزن الأمور بميزانها الصحيح.
ولعل أبلغ ما يُلخص هذه الحقيقة حوارٌ بديع دار مع رجل جاوز الثمانين من عمره، حمل خلاصة السنين وعصارة التجربة، حين قال:
— «استفدتُ من هذه الدنيا أمرين اثنين».
فقيل له: «ما هما؟».
قال: «الأول: لا تغضب إلا لأمر عظيم».
فقيل له: «والثاني؟».
فأجاب: «كل أمور الدنيا تافهة!».
لتكون النتيجة البسيطة والحاسمة: «إذن.. لا تغضب، فالدنيا كلها لا تستحق».
إنها حكمة عميقة تنبع من عقل هدأ بعد طول تجربة، فرأى الدنيا بحجمها الحقيقي دون تضخيم. فإذا كانت شؤون هذه الدار زائلة وعارضة، فما الذي يستحق أن تُحرق له الأعصاب وتُهدر من أجله راحة الصدر؟ وهذا المعنى يجسد تماماً هدي النبي ﷺ، إذ تروي عائشة رضي الله عنها أنه ما كان يغضب لأمر من أمور الدنيا قط، بل كان غضبه لله ولدينه إذا انتُهكت محارمه.
إن الترفع عن الصغائر ليس ضعفاً أو سلبية، بل هو ذروة الحكمة وقوة النفس. فحين يعترضك موقف يستفزك، تذكر هذا الحوار وسل نفسك: “هل الأمر يستحق؟”، وستجد الجواب حاضراً بأن راحة قلبك وصفاء روحك أغلى بكثير من أن تُفرّط فيهما لأجل دنيا فانية.



