
شريكة العمر.. وبوصلة النجاح الخفية
صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتب: عبدالله بنجابي
في زحام الحياة وسباق الطموحات، ينشغل المرء بتفاصيل الوصول، فيحسب العابرون أن النجاح صنيعة سعي فردي، وجهد رجل يواجه دروب الدنيا وحده. غير أن الحقيقة الراسخة خلف كل خطوة ثابتة وكل قمة تُبلغ، تكمن في ظل هادئ وروح عظيمة تقف في كواليس المشهد؛ روح تمنح السكينة حين تضطرب الخطوات، وتزرع الطمأنينة حين تثقل الأعباء.
وقد علّمنا التاريخ النبوي الشريف هذا المعنى في أبهى صوره وأعظم تجلياته؛ ففي اللحظة الفارقة التي نزل فيها الوحي على رسول الله ﷺ في غار حراء، عاد إلى بيته يرجف فؤاده قائلاً: «زملوني زملوني»، فلم يجد ذلك الملاذ الآمن والاحتواء العظيم إلا في حضن أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها. وقفت كالجبل الأشم تثبّته وتزيل خوفه بيقين المؤمن وحكمة الشريكة الوفية، قائلة بكلماتها الخالدة: «كلا والله ما يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». ولم تكتفِ بالتهدئة النفسية، بل مضت به بحكمة ورأي سديد إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ليبشره بأنه نبي هذه الأمة. لقد كانت السند النفسي، والرأي الحكيم، والحصن الدافئ الذي اتكأ عليه خير البشر في أصعب وأجلّ مراحل حياته.
قد يغفل البعض عن البوح بهذا الفضل، أو تأخذهم عزة النفس عن الاعتراف بدور شريكة الحياة، لكن نكران الجميل نقص في المروءة قبل أن يكون شحاً في العاطفة. فالبيوت لا تُبنى بالجدران، بل بالقلوب التي تحتوي وتصبر، وتلك الأيادي الحانية التي ترفع كفوفها بالدعاء في جوف الليل لتفتح للرجل أبواب التوفيق بعد فضل الله تعالى. إن امتلاك رفيقة درب تؤمن بك في لحظات الشك، وتشد أزرك في منعطفات التحدي، هو رأس المال الحقيقي الذي لا يعادله كسب، وهو الأساس الذي يجعل البدايات متجددة والآمال متقدة دوماً.
إن أعظم ما يدركه الإنسان مع نضج التجارب هو أن الأيام تمضي أسرع مما نتخيل، وأن العمر أقصر من أن نضيعه في صمت المشاعر أو تأجيل الامتنان. كم من كلمات صادقة حُبست في الصدور حتى فات أوانها، وكم من أحبة رحلوا وتركوا خلفهم حديثاً لم يُقل وشوقاً يحرقه الندم. من هنا تتجلى قيمة الوعي بلحظتنا الحاضرة؛ أن ننظر في وجوه من نحب بامتنان، أن نتجاوز عن الزلات الصغيرة في سبيل الود الكبير، وأن نمنحهم حقهم من التقدير والوفاء ما دامت الأنفاس تتردد والفرصة قائمة.
المعروف الحقيقي لا ينبت إلا في أرض الاعتراف والوفاء، والسعادة ليست صدفة قدرية، بل ميثاق مودة يُسقى بالتقدير، ودعاء صادق بأن يديم الله المعروف، وييسر العسير، ويبارك في مسيرة بدأت بالمحبة وتستمر بالطموح المشترك. تمسكوا بأحبتكم جيداً، وعبروا لهم عن حبكم، واغفروا زلاتهم.. فالحياة قصيرة جداً، وهم المكسب والسكينة التي تطيب بها الدنيا.



