مقالات

“وسقطت آخر ورقة توت”.. بقلم اللواء الركن م. الدكتور بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود

ليس ثمَّة شك أن اليمن كان على مرَّ التاريخ، أكثر دولة في العالم لها حظوة عند السعودية، وما زالت وستبقى إلى الأبد إن شاء الله، وهكذا هو الحال مع شعبها أمس واليوم وغداً، مع الاحترام والتقدير لجميع الشعوب الشقيقة والصديقة. ولم يكن بين أية دولة أخرى وبين السعودية، مثل ما بين السعودية وبين اليمن اليوم من قواسم مشتركة، تحدِّد وحدة المصير. فالجالية اليمنية هي الأكثر عدداً في السعودية بين جميع الجاليات الأخرى، والأبرز حضوراً وتداخلاً اجتماعياً، وقد تعدَّى الأمر العمل في مختلف الوظائف والمهن والتجارة والاستثمار إلى المصاهرة والنَّسب، فضلاً عن التقاليد والعادات المشتركة بين السعوديين وبين الأشقاء اليمنيين، لاسيَّما عند الشريط الحدودي بين الجارتين الشقيقتين، ناهيكم عن الجوار والحدود البرية المشتركة التي تمتد لأكثر من ألف وأربعمائة كيلو متر.

ولهذا وغيره كثير مما لا يسع المجال لذكره، أولت السعودية اليمن اهتماماً خاصاً على اختلاف العهود، ولم تحظَ دولة في العالم بمثل ما حظيت به اليمن من دعم سعودي سخي في المجالات كلها، خاصة الاقتصاد والسياسة، وأبرز ما يميز هذا الدعم السعودي لليمن هو توجيهه للمواطن اليمني بالدرجة الأولى في سائر ربوع البلاد، دون استثناء لمنطقة ما على غيرها بسبب اختلاف المذاهب أو الطوائف أو حتى الاختلاف السياسي. وفوق هذا وذاك كله، ليس لأحد اليوم مثل ما للأشقاء اليمنيين من ثقة لدى إخوتهم السعوديين، فقد عرفناهم عبر التاريخ أهل صدق وشهامة ومروءة وعزَّة نفس وترفُّع عن الصغائر.

لكن للأسف الشديد، لم تستثمر القيادات السياسية في اليمن هذه العلاقة المتميزة والحظوة الفريدة لإنجاز تنمية حقيقية، همها الأول والأخير توفير حياة كريمة لمواطنيها، وترسِّخ عدالة اجتماعية تضمن الأمن والاستقرار والازدهار، وتجعل من هذه الدولة التي تتمتع بموقع إستراتيجي مهم وموارد وفيرة، أخاً شقيقاً وسنداً قوياً ورفيقاً صادقاً في المنشط والمكره، بل على العكس تماماً: أدى غياب رؤية إستراتيجية واضحة لدى القيادات السياسية اليمنية المتعاقبة، لإثارة حفيظة النفوس، فانقسم المجتمع على نفسه شيعاً وأحزاباً، ينخر بعضها بعضاً، فاتجه هذا شرقاً، وتمترس ذاك غرباً طلباً للدعم من الغريب ليفتك بالأخ الشقيق.

وهكذا أهمل الجميع التنمية ومصلحة المواطن الذي أصبح يفتقد حتى لأبسط مقومات الحياة في كثير من مناطق البلاد، للأسف الشديد. وقد شاهدت كثيراً من المناظر التي يتفطر لها القلب حزناً، من بؤس يعانيه اليتامى والأرامل وكبار السِّن؛ وصَدَق محمد البخيتي وهو كذوب، إذ يقول بابتسامته الصفراء الشاحبة: ليس لليمن ما يخسره في حربه ضد السعودية.. فيا للعار ويا للعجب العجاب أن يتفاخر أحد بتخلُّف بلاده وتدمير بنيتها التحتية، وقتل رجالها وتجنيد أطفالها والزَّج بهم في محرقة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مع أنها كانت نبع الحضارات وأصل العرب. فأصبح اليمني الآن يقاتل شقيقه اليمني، نصرة لهذا أو إرضاءً لذاك أو نكاية بثالث… إلخ. فأضحى الجميع متحفِّزاً متأبطاً الشَّر، لدرجة صار اقتناء السلاح وحمله من كمال الرجولة.

وحقَّاً لا أدري إن كان هذا من الطرف أو من المآسي: شاهدت من قريب مقطعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأحد الإخوة اليمنيين في منتصف العمر تقريباً في الحرم محرِماً محتزماً جنبيته، يرفض طلب رجل الأمن بإصرار شديد أن يترك الجنبية خارج الحرم، حفاظاً على الأمن وطمأنينة الآخرين حسب النظام. فخيَّره رجل الأمن بكل أدب ولطف بين التشبث بالجنبية أو دخول الحرم، فاختار ألا يتخلى عنها، وانصرف غير مبالٍ، ولا أدري إن كان قد فوَّت على نفسه الطواف أو الصلاة أو الاثنين معاً. وقطعاً يظهر مثل هذا السلوك مدى إهمال الأنظمة الحاكمة المتعاقبة في اليمن لموضوع التعليم والثقافة، والانهماك في المكايدات السياسية، والقفز على رؤوس الثعابين على رأي علي عبد الله صالح، للبقاء على السلطة لأطول مدة ممكنة، ولا يهم إن فضَّل المواطن اليمني التشبث بالجنبية على الطواف بالبيت العتيق والصلاة في الحرم.

ولإدراك القيادة السعودية لمكانة اليمن، حاولت المستحيل الإبقاء على شعرة معاوية ما وسعها الصبر واستطاعت إلى ذلك سبيلاً، لكن للأسف الشديد، لم يكن علي عبد الله صالح ليرتقي إلى هذا المستوى من حسن الظَّن، ولم يقدِّر جهد السعودية الدؤوب ومساعيها الحثيثة في مساعدته ودعمه لتنمية بلاده وتوفير حياة كريمة لشعبه. ووسط هذه الفوضى غير الخلاقة والخلافات التي لا معنى لها، غدر علي عبد الله صالح بليل والناس نيام، حتى باليمن أرضاً وشعباً وحضارة وتاريخاً، فسلَّم الجمل بما حمل للحوثيين نكاية بخصومه السياسيين. وعلى كل حال، الرجل أفضى إلى ما عمل، ولهذا لا أريد الخوض في مزيد من التفاصيل. المهم أن دعمه للحوثيين، أو قل تواطؤه معهم لبسط سيطرتهم على صنعاء، كان بمثابة القشَّة التي قصمت ظهر البعير، فصبَّت الزيت على النار، وزادت التحزُّب والتشرذم حتى بين الشرعية والقوى المناهضة للحوثيين.

ومع الوقت، وحقيقة غياب رؤية واضحة بين الفرقاء اليمنيين لاستعادة الدولة، استقوى الحوثيون ووجد فيهم أعداء السعودية الذين أزعجهم نجاحها واستقرارها وازدهارها وما تتمتع به من أمن واطمئنان ونفوذ إقليمي ومكانة دولية، وجد فيهم أولئك الحاقدين الحاسدين ضالتهم المنشودة، فجعلوا منهم حصان طروادة للنيل من بلاد الحرمين الشريفين. وللأسف الشديد، بين أولئك من كان بالأمس القريب يسوِّق نفسه لنا شقيقاً وفيَّاً وصديقاً مخلصاً ومسلماً صادق الإيمان.

وحقَّاً لا أدري أي شقيق وفيٍّ، وأي صديق مخلص، وأي مسلم مخلص صادق الإيمان هذا الذي يدعم جماعة غارقة في الجهل لا تعرف حرمة حتى لبيت الله عزَّ و جلَّ ومثوى رسوله صلى الله عليه وسلم، فترسل صواريخها مستهدفة مكة المكرمة والمدينة المنورة، فضلاً عن استهداف البنية التحتية وتهديد حياة المواطنين والمقيمين في أبها وخميس مشيط وحتى الرياض والدمام؟!.. إنه الحقد الأعمى والحسد الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والعمالة لتنفيذ أجندة خارجية، لن يقف أذاها عند السعودية إن نجح مخططها الخبيث، لا سمح الله، بل سيتعداها للمنطقة بأسرها وأولها اليمن هذا نفسه،تماماً كما حدث مع قوات ما يعرف بـ (الدعم السريع) في السودان، التي استغلتها بعض هذه الأطراف نفسها التي تحرض الحوثيين على السعودية اليوم، لتدمير السودان وقتل رجاله واغتصاب حرائره ونهب ثرواته وتدمير بنيته التحتية.

وعلى كل حال، انكشف القناع اليوم، وسقطت آخر ورقة توت طالما أخفى خلفها أولئك الحاسدين من عرب وعجم حقدهم الدَّفين، وظهر وجههم الحقيقي الذي أزعجه نجاحنا واستقرارنا ومكانتنا بين العالمين، وما تتمتع به بلادنا من سمعة طيبة وثقة كبيرة لدى شعوب العالم، وقبل هذا كله وذاك، هذه النعمة العظيمة التي لا تدانيها نعمة، وهذا الشَّرف الإلهي العظيم الذي لا يدانيه شرف، بتشريف الله سبحانه وتعالى لنا بخدمة بيته العتيق ومثوى رسوله صلى الله عليه وسلم ورعاية ضيوفه الذين يفدون إلينا من كل فجٍّ عميق ليشهدوا منافع لهم.

والحقيقة ما يحدث اليوم من تآمر خبيث مكشوف على بلادنا، وما حدث قبله للعراق وسوريا وفلسطين ولبنان والصومال والسودان وليبيا، وما يحدث حتى اليوم في اليمن، هو كله نتيجة غياب منظومة عربية حقيقية صادقة جادة حادبة على تحقيق مصلحة الجميع، تقف من الكل على المسافة نفسها. ولهذا طالما عبَّرت صراحة عن نفض يدي من ما يعرف بـ (جامعة الدول العربية) في كثير من مقالاتي. وللأسف الشديد، يبدو اليوم أن حتى (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) هو أيضاً يسير على الدرب نفسه، وفي اعتقادي لم يمنع الخليجيين من إعلان وفاته ونفض يدهم منه غير الحياء. أما في ما يتعلق بما يعرف بـ (المنظمات الدولية) من أمم طالما أثبتت أنها (غير متحدة) وغيرها، فحدِّث ولا حرج.

وعليه أناشد اليوم الشعوب العربية، لاسيَّما أهل الخليج العربي، كما أناشد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يفيقوا من غفوتهم، فما يُحاك للسعودية اليوم من قوى الظلام، يستهدف مقدسات المسلمين في مكة المكرمة والمدينة المنورة بالدرجة الأولى. وليعلم أهل الخليج أن نظرية المؤامرة التي طالما كتبت عنها حتى جفَّ مدادي، وحذَّرت منها حتى ذهب صوتي، مما يُحاك لهم ببعضهم ضد البعض الآخر، ويُطبخ لهم بليل من غثٍّ غير سمين، ورأى فيها كثيرون حديث خرافة ليس إلا، أقول ليعلم أهل الخليج أن نظرية المؤامرة تلك ما زالت حيَّة تسعى، بل أكثر من هذا: أرى شجراً يمشي عليكم، بل يحث الخطى، فاحذروا وصولهم إليكم على حين غرة، ولات حين مندم.

وعلى كل حال، أؤكد للجميع، لاسيَّما أولئك (المحللين السياسيين) الذين يظنون أنهم سيثيرون الرُّعب في نفوسنا بحديثهم عن (جبال اليمن الشاهقة وأوديتها السحيقة ورمالها العميقة) أن السعودية دولة عريقة كبيرة، عمرها اليوم ثلاثة قرون، دولة رسالة قوية بالله ثم بقيادتها وشعبها الذي لا يعشق شيئاً في الدنيا مثل عشقه للقاء خالقه دفاعاً عن قبلة المسلمين وعن مقدساتهم ومثوى رسولهم صلى الله عليه وسلم، ولديها من الإمكانيات والموارد والعدَّة والعتاد، ما يمكِّنها من أداء واجبها واستمرار قافلة خيرها القاصدة إلى الأبد إن شاء الله. وعلى رأي أخي دايم السيف: (الإسلام ينادي، إن لم نلبِ فمن يلبي؟.. لا مكان اليوم لضعيف، ولا أمان لصديق أو حليف، ولا اعتماد إلا على الله ثم على الذَّات، ولا مجال للترف والملذات.. إنه يوم العزم والحزم والثبات، فلنشمر عن السواعد).. وأضيف: ولنحمي الوطن الواعد، ولندافع عنه بالأرواح وفلذات الأكباد.

ومهما يكن من أمر، ستظل السعودية تدعم جهود الشرعية بكل قوة، حتى تستعيد الدولة من خاطفيها، وتعود الحياة والازدهار لصنعاء الحبيبة من جديد، وتعم الفرحة سائر ربوع اليمن، ليعود سعيداً كما كان في سالف الأزمان، وليس هذا على همَّة الرجال، بعد عون الله ببعيد.

أخيراً: أتمنى على الإخوة في الشرعية أن يتركوا هذا التحزُّب والتشرذم، ليصطفوا جميعاً في مواجهة هذه المؤامرة الخبيثة التي تستهدف وجودهم، وليقطعوا دابر الأيدي الخارجية التي تسعى جاهدة لتأجيج الصراع وتمزيق وحدتهم ونهب خيرات بلادهم، فكفى معاناة لهذا المواطن البسيط المغلوب على أمره، وحتى الحوثيين إن جنحوا للسلم واتفقوا مع بقية المكونات اليمنية، وقدموا مصلحة بلادهم على خدمة الأجندة الخارجية التي لا تريد الخير لبلادهم، سيجدون منَّا كل تعاون ليبقى اليمن دولة قوية مزدهرة فاعلة في المنطقة والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى