
في الجبال حكايات لا تُروى بالكلمات وحدها، بل تنبت في جذوع الأشجار، وتختبئ في مسام التربة، وتنساب مع خرير الماء بين الشعاب، حتى إذا أقبل الصباح، أطلّت من بين الأغصان شجرة البن، كأنها قصيدة كتبتها الطبيعة على صفحة الجبل، وتركَت للإنسان مهمة قراءتها.
صحيفة أخباركم الإعلامية
الحوار من إعداد الإعلامي : حمد دقدقي
هناك، حيث تعانق المرتفعات السحاب، وتستيقظ الأرض على رائحة المطر، يقف البن شاهدًا على علاقة الإنسان بمكانه؛ علاقة لم تصنعها المصادفة، بل نسجتها أجيال من المزارعين الذين عرفوا أن للأرض أسرارًا، وأن لكل شجرة لغة لا يفهمها إلا من أحبها وصبر عليها.
ومن هذه الحكاية الجبلية العريقة، كان لقاؤنا مع الأستاذ ياسر محمد المالكي، خبير زراعة البن في المحافظات الجبلية بمنطقة جازان، والمتحدث الرسمي باسم مزارعي البن، وعضو لجنة التعريف بالبن، ومدير فرع جمعية نجوم السياحة في المحافظات الجبلية بجازان؛ لنقترب من عالم البن، لا بوصفه محصولًا زراعيًا فحسب، بل إرثًا ثقافيًا واقتصاديًا، وملمحًا من ملامح الهوية السعودية.
من حبة صغيرة تبدأ الحكاية
سألناه: حين نتأمل شجرة البن وهي تتشبث بأرض الجبل، ونرى ثمارها الحمراء تتدلى بين أوراقها، يخيل إلينا أن وراء هذا المشهد حكاية طويلة من الصبر. من أين تبدأ الرحلة
تبدأ الحكاية من بذرة صغيرة، لكنها تحمل في داخلها وعدًا بشجرة، وموسمًا، ورزقًا، وربما مستقبلًا زراعيًا كاملًا. وأول ما يحتاج إليه المزارع هو حسن الاختيار؛ فينتقي بذور البن من أشجار أم قوية وسليمة، معروفة بجودة إنتاجها، ويأخذها من الثمار المكتملة النضج، ذات اللون الأحمر القاني.
ثم تأتي مرحلة المشتل، حيث تُهيأ التربة الخفيفة جيدة التصريف، وتُزرع البذور في بيئة تحميها من أشعة الشمس المباشرة والرياح، مع المحافظة على رطوبة مناسبة دون إفراط. وبعد أسابيع تبدأ البذرة في إعلان حياتها الجديدة، فتخرج أولى أوراقها، وتكبر النبتة شيئًا فشيئًا، حتى تصبح مستعدة للانتقال إلى كيس زراعي مستقل.
وتظل الشتلات تحت الرعاية والمتابعة أشهرًا طويلة، قد تمتد من ستة إلى اثني عشر شهرًا، حتى تقوى جذورها وتتهيأ للغرس في الأرض المستدامة.
وبينما كان يتحدث عن البذرة، بدا لي أن المزارع لا يغرس حبة البن في التربة وحدها، بل يغرس معها شيئًا من أحلامه، ويراقبها كما يراقب الأب خطوات طفله الأولى؛ يخشى عليها من الريح، ويفرح بورقة جديدة، ويستبشر بكل علامة حياة.
الجبل الذي يعرف سر البن
سألناه: وما الذي يجعل بعض المواقع الجبلية أكثر ملاءمة لزراعة البن من غيرها؟ وهل يكفي أن تكون الأرض جبلية حتى تنجح فيها الزراعة
ليس كل موقع جبلي صالحًا لزراعة البن، وهذه من أهم المسائل التي ينبغي أن يدركها المزارعون والراغبون في دخول هذا المجال. فاختيار الموقع يسبق الغرس، وقد يكون سببًا في نجاح المشروع أو ارتفاع تكاليفه وتعثر إنتاجه.
ونحن في المحافظات الجبلية نولي أهمية خاصة للمجردات الزراعية الواقعة في بطون الأودية وبين الحافات الجبلية، التي تُعرف محليًا بالشعاب أو «اللحوج»، لما تتميز به بعض هذه المواقع من عمق التربة وخصائصها الملائمة للزراعة.
أما المواقع ذات التربة الأقل ملاءمة، التي اعتاد الأجداد زراعتها بالبر والشعير والذرة وبعض المحاصيل التقليدية، فلا ينبغي افتراض صلاحيتها للبن دون دراسة. فالشجرة تحتاج إلى إدارة دقيقة للمياه والتسميد والرعاية، وقد ترتفع تكلفة إنتاجها في المواقع غير المناسبة.
ولذلك أنصح بدراسة التربة والمياه والمناخ قبل البدء، والاستفادة من الخبرة الزراعية المحلية، وعدم الاندفاع إلى الزراعة لمجرد الإعجاب بالمحصول أو ارتفاع قيمته السوقية.
وهنا أدركت أن الجبل ليس مجرد ارتفاع يلامس السماء، بل علم تتوارثه الأجيال، وذاكرة تختزن معرفة الأجداد بمواضع الماء، وطبائع الأرض، وما يصلح لها من زرع. وليس كل من رأى شجرة البن أدرك سرها؛ فبين المشاهدة والمعرفة مسافة لا يقطعها إلا الصبر والتجربة.
من غرس الشتلة إلى انتظار الثمرة
سألناه: بعد أن تستقر الشتلة في الأرض، تبدأ رحلة أخرى من الرعاية. كيف يحافظ المزارع على الشجرة حتى تبلغ مرحلة الإثمار؟
تُجهز الحفر المناسبة، وتُراعى المسافات بين الأشجار، التي تتراوح غالبًا بين مترين وثلاثة أمتار وفق طبيعة الموقع ونظام الزراعة، مع تحسين التربة بالسماد العضوي المتحلل. ثم تُنقل الشتلة بحذر، حفاظًا على جذورها، وتُروى بعد الغرس لتثبيت التربة حولها.
بعد ذلك تأتي مرحلة المتابعة المستمرة؛ من ري منتظم بحسب احتياج الشجرة والظروف المناخية، وتسميد متوازن، وإزالة الأغصان الميتة والمتشابكة، ومراقبة الآفات والأمراض.
وقد تبدأ الشجرة بإعطاء محصول تجاري محدود بعد نحو ثلاث إلى أربع سنوات، بحسب الصنف والظروف الزراعية ومستوى العناية. ثم تزهر بأزهار بيضاء جميلة، تفوح منها رائحة عطرة، قبل أن تتكون الثمار التي تمر بمراحل نمو متعددة حتى تكتسب لونها الأحمر وتصبح جاهزة للحصاد.
ثلاث أو أربع سنوات من الانتظار! كم من الصبر يحتاجه الإنسان ليجني ثمرة حلمه، وكم من العناية الخفية تسبق تلك اللحظة التي يظنها الناظر عابرة! إن شجرة البن تعلمنا أن الأشياء الجميلة لا تُستعجل، وأن الثمار التي تستحق الانتظار هي التي تنضج على مهل، في حضن الأرض، وتحت عين المزارع وقلبه.
القطاف.. حين يختار المزارع نضج الثمرة
سألناه: يصل المزارع إلى موسم الحصاد، وهو الموسم الذي ينتظره بعد شهور من الرعاية. فما أسرار القطاف والمعالجة، وكيف تنعكس هذه المراحل على جودة البن؟
الحصاد من أدق مراحل إنتاج البن؛ لأن جودة الثمرة عند القطاف تؤثر في جودة المنتج النهائي. ولهذا يُفضّل القطف الانتقائي اليدوي، باختيار الثمار المكتملة النضج، ذات اللون الأحمر القاني، وترك الثمار غير الناضجة حتى تستكمل نموها.
أما المعالجة، فتتعدد طرقها بحسب خصائص المحصول والنتيجة المرغوبة. ومن أبرزها الطريقة الطبيعية، التي تُجفف فيها الثمار كاملة مع تقليبها ومراقبة رطوبتها، والطريقة المغسولة، التي تُزال فيها القشرة واللب وتُعالج الحبوب لإزالة الطبقة الصمغية قبل التجفيف، والطريقة العسلية التي يُزال فيها الغلاف الخارجي مع إبقاء جزء من الطبقة الصمغية أثناء التجفيف.
ولكل طريقة أثرها في النكهة والقوام والإيحاءات العطرية. وبعد التجفيف، تُقشر الحبوب وتُفرز لاستبعاد المعيب منها، مع ضبط الرطوبة وفق متطلبات التخزين والمعالجة اللاحقة.
تأملت الثمار الحمراء في مخيلتي، ورأيتها كأنها حبات من الياقوت أودعتها الجبال أمانة في يد المزارع. لكنه لا يقطفها جميعًا في لحظة واحدة؛ فلكل ثمرة موعدها، ولكل حبة حقها في أن تبلغ نضجها. وهكذا يعلمنا البن أن الجودة ليست كثرة ما نجمع، بل حسن ما نختار، ودقة ما نصنع.
التحميص.. حين تستيقظ ذاكرة الرائحة
سألناه: بعد انتهاء رحلة الزراعة والحصاد والمعالجة، كيف تتحول الحبوب إلى ذلك الفنجان الذي يجمع الناس حوله، ويختزن في رائحته شيئًا من ذاكرة المكان؟
التحميص مرحلة أساسية تكشف الخصائص الحسية للحبوب، وتمنح القهوة شخصيتها النهائية. فالتحميص الفاتح قد يُبرز الإيحاءات الزهرية والفاكهية والحموضة الطبيعية، بينما يحقق التحميص المتوسط توازنًا بين الحلاوة والحموضة والقوام، في حين يزيد التحميص الداكن من النكهات المحمصة والمرارة ويغير طبيعة القوام.
ويأتي الطحن والتحضير ليكملا هذه الرحلة؛ فطحن البن قبل التحضير بوقت قصير يساعد على المحافظة على مركباته العطرية، كما أن اختيار طريقة الاستخلاص المناسبة يُظهر جوانب مختلفة من شخصيته، سواء في التقطير اليدوي أو الإسبريسو أو القهوة العربية الأصيلة.
ومن المهم ألا تُحمص كميات كبيرة تتجاوز الحاجة، وأن تُحفظ الحبوب في أوعية محكمة بعيدًا عن الحرارة والرطوبة والهواء والضوء، مع استهلاكها خلال فترة مناسبة للحفاظ على جودتها.
ولعل أجمل ما في القهوة أنها لا تنتهي عند حدود مذاقها؛ فالرائحة تسبق الفنجان إلى القلب، وتفتح أبوابًا من الذكريات لا تملك المفاتيح إلا هي. كم من مجلس جمعته القهوة، وكم من غريب أزال فنجان منها وحشة اللقاء، وكم من قصة بدأت عند دلة وانتهت بصداقة أو مودة أو عهد لا ينسى!
نصيحة خبير.. لا تزرع البن قبل أن تعرف أرضك
سألناه: ما أبرز النصائح التي توجهونها إلى المزارعين الجدد، في ضوء خبرتكم بزراعة البن في المحافظات الجبلية؟
أولًا، اختيار البذور الناضجة والسليمة من أشجار موثوقة، وعدم الاعتماد على المظهر وحده للحكم على جودة البذرة؛ بل يُستحسن الاستعانة بالإرشاد الزراعي والطرق المعتمدة لاختبار صلاحيتها.
ثانيًا، دراسة الموقع والتربة ومصادر المياه قبل الغرس، واختيار المواقع الملائمة لطبيعة شجرة البن، لأن نجاح الزراعة يرتبط بملاءمة البيئة بقدر ارتباطه بجودة الشتلة.
ثالثًا، عدم التوسع في الزراعة دون تقدير تكاليف الري والتسميد والعمالة والحصاد والمعالجة والتسويق. فالمزارع الناجح لا ينظر إلى عدد الأشجار فقط، بل إلى جودة المحصول واستدامة الإنتاج وجدواه الاقتصادية.
وأخيرًا، الاهتمام بالتحميص والتخزين، وتحمير الكميات بحسب الحاجة، وحفظ البن بطريقة صحيحة، لأن جودة المحصول يمكن أن تتأثر سلبًا إذا أُهملت المراحل الأخيرة.
كانت نصائحه أشبه بوصايا رجل يعرف أن الأرض لا تمنح أسرارها لمن يستعجلها، ولا تكافئ من يزرع دون أن يدرس، أو يحصد دون أن يتقن، أو ينتج دون أن يعرف كيف يحفظ قيمة ما أنتج.
البن.. من محصول زراعي إلى وجهة سياحية
سألناه: وأنتم مدير فرع جمعية نجوم السياحة في المحافظات الجبلية بجازان، كيف يمكن أن تسهم زراعة البن في تعزيز السياحة الجبلية، وربط الزائر بتراث المنطقة؟
البن ليس محصولًا زراعيًا فحسب، بل أحد المكونات الثقافية والاقتصادية التي يمكن أن تسهم في تنشيط السياحة الجبلية، متى أُحسن استثمارها ضمن منظومة متكاملة.
فهناك فرص لتطوير المزارع المؤهلة لاستقبال الزوار، وتنظيم تجارب تعريفية برحلة البن من الشتلة إلى الفنجان، وإقامة ورش للتعريف بالزراعة والحصاد والمعالجة والتحميص، إلى جانب إبراز الحرف والأطعمة المحلية والموروث الاجتماعي المرتبط بالقهوة.
كما يمكن أن تسهم المهرجانات والفعاليات والأسواق الريفية في دعم المزارعين والأسر المنتجة، وفتح منافذ تسويقية جديدة للمنتجات المحلية، بما يعزز الاقتصاد المجتمعي ويمنح الزائر تجربة أصيلة تتجاوز المشاهدة إلى التفاعل والمعرفة.
ونحن نطمح إلى أن تتكامل جهود المزارعين والجمعيات والجهات السياحية والتنموية، لتصبح مزارع البن جزءًا من التجربة السياحية في المحافظات الجبلية، مع المحافظة على خصوصية البيئة الزراعية واحترام احتياجات المزارع واستدامة موارده.
عند هذه النقطة، اتسعت الحكاية أمامنا؛ فلم تعد الشجرة محصورة في مزرعتها، ولم يعد الفنجان نهاية الطريق. لقد أصبح البن جسرًا بين الزراعة والثقافة والسياحة، وبين ذاكرة الأجداد وتطلعات الأجيال الجديدة. فحين يدخل الزائر المزرعة، ويسمع حكاية الشجرة من صاحبها، ويتعرف على مشقة إنتاجها، ثم يتذوق قهوتها في موطنها، فإنه لا يشتري منتجًا فحسب، بل يحمل معه ذكرى المكان وشيئًا من روحه.
ختام اللقاء.. فنجان تختصر فيه الجبال حكايتها
في نهاية لقائنا مع الأستاذ ياسر محمد المالكي، بدا لنا البن أكثر من شجرة خضراء تنمو على سفوح الجبال؛ بدا حكاية إنسان تشبث بأرضه، وحافظ على خبرة آبائه، وواصل العمل ليمنح هذا الإرث فرصة جديدة للحياة.
لقد كشف لنا الحوار أن جودة البن لا تبدأ عند آلة التحميص، ولا تنتهي عند رشفة في فنجان؛ إنها تبدأ من بذرة منتقاة، وتمتد عبر تربة مناسبة، وشتلة ترعاها الأيدي، وشجرة تصبر على الفصول، وثمرة تُقطف في موعدها، وحبوب تُعالج بعناية، حتى تبلغ المائدة محتفظة بأفضل ما فيها.
وهكذا يظل بن جبال جازان شاهدًا على قدرة الأرض على العطاء، وعلى وفاء الإنسان لموروثه، وعلى أن التنمية الحقيقية هي التي تجمع أصالة الماضي بفرص المستقبل؛ فتجعل من المحصول مصدر رزق، ومن التراث نافذة للسياحة، ومن الفنجان رسالة محبة تحمل اسم الجبل إلى العالم.
شكرًا للأستاذ ياسر محمد المالكي على هذا اللقاء المع
رفي الذي فتح لنا أبواب عالم البن، وللقارئ الذي رافقنا في هذه الرحلة من بذرة صغيرة في المشتل إلى فنجان دافئ تختصر رائحته حكاية الأرض والإنسان.
ويأتي الطحن والتحضير ليكملا هذه الرحلة؛ فطحن البن قبل التحضير بوقت قصير يساعد على المحافظة على مركباته العطرية، كما أن اختيار طريقة الاستخلاص المناسبة يُظهر جوانب مختلفة من شخصيته، سواء في التقطير اليدوي أو الإسبريسو أو القهوة العربية الأصيلة.
ومن المهم ألا تُحمص كميات كبيرة تتجاوز الحاجة، وأن تُحفظ الحبوب في أوعية محكمة بعيدًا عن الحرارة والرطوبة والهواء والضوء، مع استهلاكها خلال فترة مناسبة للحفاظ على جودتها.
ولعل أجمل ما في القهوة أنها لا تنتهي عند حدود مذاقها؛ فالرائحة تسبق الفنجان إلى القلب، وتفتح أبوابًا من الذكريات لا تملك المفاتيح إلا هي. كم من مجلس جمعته القهوة، وكم من غريب أزال فنجان منها وحشة اللقاء، وكم من قصة بدأت عند دلة وانتهت بصداقة أو مودة أو عهد لا ينسى!
نصيحة خبير.. لا تزرع البن قبل أن تعرف أرضك
سألناه: ما أبرز النصائح التي توجهونها إلى المزارعين الجدد، في ضوء خبرتكم بزراعة البن في المحافظات الجبلية؟
قال المالكي:
أولًا، اختيار البذور الناضجة والسليمة من أشجار موثوقة، وعدم الاعتماد على المظهر وحده للحكم على جودة البذرة؛ بل يُستحسن الاستعانة بالإرشاد الزراعي والطرق المعتمدة لاختبار صلاحيتها.
ثانيًا، دراسة الموقع والتربة ومصادر المياه قبل الغرس، واختيار المواقع الملائمة لطبيعة شجرة البن، لأن نجاح الزراعة يرتبط بملاءمة البيئة بقدر ارتباطه بجودة الشتلة.
ثالثًا، عدم التوسع في الزراعة دون تقدير تكاليف الري والتسميد والعمالة والحصاد والمعالجة والتسويق. فالمزارع الناجح لا ينظر إلى عدد الأشجار فقط، بل إلى جودة المحصول واستدامة الإنتاج وجدواه الاقتصادية.
وأخيرًا، الاهتمام بالتحميص والتخزين، وتحمير الكميات بحسب الحاجة، وحفظ البن بطريقة صحيحة، لأن جودة المحصول يمكن أن تتأثر سلبًا إذا أُهملت المراحل الأخيرة.
كانت نصائحه أشبه بوصايا رجل يعرف أن الأرض لا تمنح أسرارها لمن يستعجلها، ولا تكافئ من يزرع دون أن يدرس، أو يحصد دون أن يتقن، أو ينتج دون أن يعرف كيف يحفظ قيمة ما أنتج.
البن.. من محصول زراعي إلى وجهة سياحية
سألناه: وأنتم مدير فرع جمعية نجوم السياحة في المحافظات الجبلية بجازان، كيف يمكن أن تسهم زراعة البن في تعزيز السياحة الجبلية، وربط الزائر بتراث المنطقة؟
أجاب المالكي:
البن ليس محصولًا زراعيًا فحسب، بل أحد المكونات الثقافية والاقتصادية التي يمكن أن تسهم في تنشيط السياحة الجبلية، متى أُحسن استثمارها ضمن منظومة متكاملة.
فهناك فرص لتطوير المزارع المؤهلة لاستقبال الزوار، وتنظيم تجارب تعريفية برحلة البن من الشتلة إلى الفنجان، وإقامة ورش للتعريف بالزراعة والحصاد والمعالجة والتحميص، إلى جانب إبراز الحرف والأطعمة المحلية والموروث الاجتماعي المرتبط بالقهوة.
كما يمكن أن تسهم المهرجانات والفعاليات والأسواق الريفية في دعم المزارعين والأسر المنتجة، وفتح منافذ تسويقية جديدة للمنتجات المحلية، بما يعزز الاقتصاد المجتمعي ويمنح الزائر تجربة أصيلة تتجاوز المشاهدة إلى التفاعل والمعرفة.
ونحن نطمح إلى أن تتكامل جهود المزارعين والجمعيات والجهات السياحية والتنموية، لتصبح مزارع البن جزءًا من التجربة السياحية في المحافظات الجبلية، مع المحافظة على خصوصية البيئة الزراعية واحترام احتياجات المزارع واستدامة موارده.
عند هذه النقطة، اتسعت الحكاية أمامنا؛ فلم تعد الشجرة محصورة في مزرعتها، ولم يعد الفنجان نهاية الطريق. لقد أصبح البن جسرًا بين الزراعة والثقافة والسياحة، وبين ذاكرة الأجداد وتطلعات الأجيال الجديدة. فحين يدخل الزائر المزرعة، ويسمع حكاية الشجرة من صاحبها، ويتعرف على مشقة إنتاجها، ثم يتذوق قهوتها في موطنها، فإنه لا يشتري منتجًا فحسب، بل يحمل معه ذكرى المكان وشيئًا من روحه.
ختام اللقاء.. فنجان تختصر فيه الجبال حكايتها
في نهاية لقائنا مع الأستاذ ياسر محمد المالكي، بدا لنا البن أكثر من شجرة خضراء تنمو على سفوح الجبال؛ بدا حكاية إنسان تشبث بأرضه، وحافظ على خبرة آبائه، وواصل العمل ليمنح هذا الإرث فرصة جديدة للحياة.
لقد كشف لنا الحوار أن جودة البن لا تبدأ عند آلة التحميص، ولا تنتهي عند رشفة في فنجان؛ إنها تبدأ من بذرة منتقاة، وتمتد عبر تربة مناسبة، وشتلة ترعاها الأيدي، وشجرة تصبر على الفصول، وثمرة تُقطف في موعدها، وحبوب تُعالج بعناية، حتى تبلغ المائدة محتفظة بأفضل ما فيها.
وهكذا يظل بن جبال جازان شاهدًا على قدرة الأرض على العطاء، وعلى وفاء الإنسان لموروثه، وعلى أن التنمية الحقيقية هي التي تجمع أصالة الماضي بفرص المستقبل؛ فتجعل من المحصول مصدر رزق، ومن التراث نافذة للسياحة، ومن الفنجان رسالة محبة تحمل اسم الجبل إلى العالم.
شكرًا للأستاذ ياسر محمد المالكي على هذا اللقاء المعرفي الذي فتح لنا أبواب عالم البن، وللقارئ الذي رافقنا في هذه الرحلة من بذرة صغيرة في المشتل إلى فنجان دافئ تختصر رائحته حكاية الأرض والإنسان.











