
مسجد الداي بأعالي الجزائر العاصمة …… يروي أسرار السلاطين وحادثة المروحة الشهيرة
في اعالي القصبة العتيقة بالجزائر العاصمة تقف قلعة الجزائر كشاهد حي على فترة تاريخية هامة مرت بهاالجزائر، وفي قلب هذا المجمع التاريخي يبرز قصر الداي، أو ما يعرف أيضًا بـ”دار السلطان”، أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ الجزائر خلال العهد العثماني.
يعتبر مسجد الداي بقلعة الجزائر (دار السلطان) في أعالي القصبة العتيقة إحدى أهم التحف المعمارية والتاريخية التي تختزل ذاكرة الحكم والسلطة في الجزائر إبان العهد العثماني.
يعود تاريخ هذا الصرح إلى القرن السادس عشر، حيث بُني في موقع استراتيجي حصين يشرف على خليج العاصمة كاملاً، متدرجاً من حصن عسكري دفاعي إلى مقر رسمي ومقر إقامة دائم للدايات ابتداءً من 1817
في عهد علي خوجة، ومع وصول الداي حسين إلى الحكم، تعززت مكانة القلعة، وأعيد تنظيم عدد من فضاءاتها بما يتناسب مع وظيفتها الجديدة، فأصبحت تضم إلى جانب قصر الداي مجموعة من المنشآت، من بينها مسجدان، وقصر البايات، ومخزن للذخيرة، وحمامات، ومرافق أخرى مرتبطة بالحياة اليومية والإدارة والدفاع، فالزائر لهذاالمسجد العظيم يلاحظ التزاوج المعماري الفريد بين طراز الهندسة العسكرية الحصينة والفنون الزخرفية الإسلامية والأندلسية، يبرز بيت الصلاة بأعمدته الرخامية الفاخرة وأقواسه المتناسقة المطعمة بالخزف والسيراميك الملون (الزليج)، إلى جانب مئذنته ذات الطابع المغاربي-العثماني المتميز، حيث كان المسجد مُخصصاً لأداء الصلوات والجمعة للداي وكبار أركان الإيالة والضيوف الرسميين أنذاك، ويضم المجمع المحيط به جناح الاستقبالات، والدوانة (مجلس الوزراء)، وقصر الحريم، إضافة إلى المطبخ السلطاني والحمامات والحدائق الداخلية والمخازن المشدّدة الحراسة.
ارتبط هذا الموقع بأحداث تاريخية فارقة غيّرت مجرى التاريخ الحديث للجزائر، إذ شهد قصر الداي المحاذي للمسجد حادثة المروحة الشهيرة عام 1827 بين الداي حسين والقنصل الفرنسي بيير دوفال، والتي اتخذتها فرنسا ذريعة واهية لتبرير الحملة العسكرية واحتلال الجزائر عام 1830. وعقب الاستعمار، تعرض المجمع ومسجده لتحويلات وطمس لبعض معالمه المعمارية وتوظيفه كحامية عسكرية ومقر للقيادة الفرنسية.
واليوم، يمثل المسجد والقلعة الحجر الأساسي في مخطط حماية وتثمين القصبة العتيقة المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ عام 1992. وسجل الموقع، بعد عمليات الترميم والدراسات الأثرية المتخصصة التي خضع لها، حركية سياحية وثقافية لافتة، حيث اصبح يفتح أبوابه أمام الزوار، والباحثين، والوفود الثقافية للاطلاع على تفاصيل العمارة الدينية والسلطوية، ومعاينة أحد أهم الشواهد الحية على تاريخ الجزائر وموروثها العمراني الخالد.






