
علي طوطيه..عندما أصبحت الريشة ذاكرة وطن
لم يولد علي عبده طوطيه وفي يده فرشاة، ولكنه وُلد وفي عينيه شيءٌ من الألوان؛ كأن الله أودع في قلبه منذ طفولته سرًّا لا يعرفه إلا من أحب الجمال، ورأى في الأشياء الصغيرة حكاياتٍ لا يراها العابرون.
كان الرسم بالنسبة إليه أكثر من هواية؛ كان نافذةً يطل منها على وطنه، وذاكرةً يحفظ بها ملامح الأمكنة والناس والتراث. وبينما كان كثيرون يرون في التراث صفحاتٍ من الماضي، كان علي طوطيه يراه حيًّا يمشي في الأسواق القديمة، ويسكن البيوت الشعبية، ويتكئ على أبوابها العتيقة، ويبتسم في وجوه الآباء والأجداد.
ثم مضى به العمر إلى سلك الأمن، فارتدى الزي الرسمي، وأدى واجبه بكل ما في رجل الأمن من انضباطٍ ومسؤولية، غير أن الريشة ظلت تسكن داخله؛ لم تستطع الوظيفة أن تطفئها، ولم تستطع السنوات أن تنتزعها من يده.
كان يعود إلى لوحته كلما وجد إلى ذلك سبيلًا، وكأن الفنان الذي في داخله كان يقول له: إن لك موعدًا مع الألوان لم ينتهِ بعد.
وهكذا عاش علي طوطيه بين واجبٍ يؤديه، وفنٍّ يعشقه؛ حتى جاء يوم التقاعد، فظن الناس أن الرجل قد أغلق صفحةً من حياته، ولم يعلموا أن صفحةً أخرى كانت تُفتح أمامه، وأن الريشة التي انتظرته طويلًا قد عادت لتأخذ مكانها في صدر المشهد.
ومنذ ذلك الحين، اتسعت المسافة بينه وبين اللوحة، لا لتباعدهما، وإنما ليحمل إليها مزيدًا من الوطن.
شارك في المعارض الوطنية على مستوى المملكة، وكانت مشاركاته في المناسبات الوطنية بمنطقة جازان امتدادًا لعلاقةٍ قديمة بين الفنان والأرض؛ يرسم الوطن لا كما تراه العين وحدها، وإنما كما يحفظه القلب.
وفي لوحاته، لا تبدو الألوان ألوانًا فحسب؛ بعضها يشبه ذاكرة جدٍّ قديم، وبعضها يحمل رائحة البحر، وبعضها يستعيد ملامح بيتٍ طيني، أو سوقٍ شعبي، أو ثوبٍ تراثي، أو وجهٍ مرّ ذات يوم من هنا ثم بقي في الذاكرة.
ولعل أجمل ما في تجربة علي طوطيه أن الرجل لم يجعل الفن بعيدًا عن الناس، بل جعله قريبًا منهم؛ يشاركهم أفراح الوطن ومناسباته، ويضع ريشته في خدمة الذاكرة الجمعية، حتى غدت لوحته وثيقةً بصرية تقول للأجيال: هكذا كان آباؤكم، وهكذا كانت أرضكم، وهذه بعض الحكايات التي ينبغي ألا تضيع.
يا علي طوطيه… لقد تقاعدت من سلك الأمن، ولكنك لم تتقاعد من خدمة الوطن؛ تبدّل الزي، وبقي الوفاء، وتغيّر الميدان، وبقيت الرسالة.
هناك رجال يحرسون الوطن بالبندقية، ورجال يحرسونه بالكلمة، ورجال يحرسون ذاكرته بالريشة.
وأنت من أولئك الذين اختاروا أن يحرسوا ذاكرة الوطن بالألوان.
فكلما وضعت فرشاتك على اللوحة، لم تكن ترسم منظرًا عابرًا، بل كنت تسترد شيئًا من الزمن قبل أن يرحل، وتقول له في هدوء الفنان:
تمهّل… فما زال في الوطن ما يستحق








