
أليس : الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية…. بقلم اللواء الركن م. الدكتوربندر بن عبد الله بن تركي آل سعود
سمعت ذات مرة أحد الإخوة اليمنيين يقول بمرارة شديدة، وحسرة لا تخطئها عين، تظهر بوضوح شديد في نبرة صوته، سمعته يقول متحدثاً عن رَبْعِه: (نحن في جغرافية الخليج، ومع هذا مستوانا المعيشي أدنى من مستوى أفقر دولة في أفريقيا).
والحقيقة ذكَّرتني هذه المقولة الموجعة حقَّاً قصة قوم سبأ، الذين كانوا يعيشون في رغدٍ وأمن وأمان واستقرار ونعيم مقيم وقرى متقاربة آمنة مطمئنة مستقرة، يتنقلون بينها دونما تعب أو مشقَّة، غير أنهم جحدوا النعمة وكفروا بها، متمنين التعب والنصب والكدح والمشقة، فظلموا أنفسهم داعين الله أن يباعد بين أسفارهم.
فتفرقوا أيدي سبأ، هذا شمالي، وذاك جنوبي، وثالث شافعي، ورابع زيدي، بل أكثر من هذا كله: اضطر بعضهم لترك الجمل بما حمل ليسيح في بلاد الله الواسعة، وأصبح حالهم مضرب مثل لتفرق الجماعة واختلاف كلمتهم، للأسف الشديد، مع أنهم قوم أهل إيمانٍ وأهل فقه وحكمة.
وللأسف الشديد أيضاً، دفعت شرائح واسعة اليوم من المجتمع اليمني، باختلاف ألوان طيفه ثمناً غالياً لهذا التحزُّب والتشرذم والفرقة والشَّتات واختلاف الكلمة، خاصة اليتامى والأرامل وكبار السِّن وأصحاب الهمم الذين أصبح همهم كله الحصول على كسرة خبز تسكت الجوع، ورشفة ماء تروي الظمأ، وجرعة دواء تسكِّن الألم وتذهب المرض، وسقف يقيهم زمهرير البرد وسموم الحر وشدَّة المطر والرياح، بعد أن طحنهم الفقر. وبالمقابل هذا هو الحال نفسه الذي آلت إليه أفريقيا كلها تقريباً للسبب نفسه (اختلاف الكلمة)، بل وتآمر البعض على البعض الآخر، كما نرى كل يوم ونسمع.
وللأسف الشديد أيضاً عميت أبصار من بيدهم زمام الأمر في اليمن الذي كان ذات يوم سعيداً، وخضع معظمهم للاستقطاب الخارجي الذي يسعى للسيطرة على مواردهم واستغلال موقع بلادهم الإستراتيجي، وآخر يريدهم حصان طروادة لنشر فكره الضَّال كما فعلت إيران مع الحوثيين، سعياً للسيطرة على المنطقة برمَّتها كما تدل شواهد كثيرة، ويؤكد كثير من الساسة الغربيين أنفسهم، الذين يرون في لعبة الفأر والقط بين إيران من جهة وبين أمريكا ودولة الكيان الصهيوني من جهة أخرى، خطة شيطانية لإخضاع المنطقة والسيطرة عليها واقتسام خيراتها.
و إن استطاع أهل العلم والمعرفة والفقه والحكمة من عقلاء اليمن توظيف علمهم وفقههم وحكمتهم للاستفادة من خيرات بلادهم واستثمار موقعهم الجغرافي، وأحسنوا جوار أهل الخليج خاصة السعودية وأخلصوا النيَّة، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولأصبح مستواهم المعيشي اليوم في مستوى أفضل دولة خليجية، إن لم يكن أحسن منه.
ومع نزق قادة اليمن على مر التاريخ، ومكرهم وخداعهم وعدم صدق نيتهم، كانت السعودية الدولة الوحيدة في الخليج، بل في العالم كله، التي أغدقت على اليمن الرسمي والشعبي خيراً غزيراً وفيراً، لم ينقطع منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود.. تشهد عليه اليوم كثير من الجامعات والمعاهد والمدارس والمستشفيات والمراكز الصحية والطرق التي تم تشييدها في مختلف المحافظات اليمنية بدعم سعودي خالص؛ بل إن كثيراً من البنايات الحكومية في مختلف الوزارات التي يتفيأ الحوثيون اليوم ظلها الوارف ليوجهوا سهامهم المسمومة ضد السعودية، في نكران صارخ مخجل للجميل، قد تم تشييدها بدعم سعودي صادق سخي مراعاة لحق الأخوة والجوار ووحدة المصير، هذا بالطبع غير الدعم السعودي الخيري والإنساني لمختلف شرائح المجتمع.
وأُذَكِّر هنا الحوثيين الذين يحاولون جاهدين رهن قرار بلادهم لإيران، بمصير من سبقوهم على الدرب نفسه في العراق، سوريا ولبنان التي كان حالها قبل ارتهانها لإيران كحال قوم سبأ قبل أن يباعد الله بين أسفارهم.
ومن جهة أخرى، أحث الإخوة في الشرعية وغيرهم من عقلاء اليمن، أن يسعوا جاهدين لإقناع الحوثيين بخطورة هذا النهج الشيطاني الذي ارتضوه لأنفسهم ولليمن ولليمنيين كلهم، وليضع الجميع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وليثبتوا حسن النِّيَّة وصدق القصد، وساعتئذٍ ينضمون لمجلس التعاون لدول الخليج العربية من أوسع الأبواب، ويصبحون عضواً فاعلاً إيجابياً يتحمل مع الآخرين مسؤولية استقرار المنطقة، ويتقاسم مع أشقائه الحلوة والمرة كما يقولون، فالروابط الوثيقة بين اليمن وأشقائه في خليج الخير، لاسيَّما السعودية، أعمق بكثير جداً من الروابط بين اليمن وإيران أو أي دولة أخرى في العالم.
وعلى كل حال، ينبغي أن يفهم الحوثيون بوضوح شديد، لا لبس فيه ولا غموض: الذي يرون فيه تدخلاً سعودياً في اليمن، هو أداء للواجب من بوابة الشرعية حسبما أقرته الجامعة العربية وأقره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالرقم (2216) لعام 2015م. وعليهم بالتالي أن يكفوا عن اعتداءاتهم السافرة ضد السعودية التي تستهدف منشآت حيوية ومواطنين ومقيمين أبرياء، وهو سلوك شرير ليس له أي مبرر أو مسوغ أخلاقي.
وخلاصة القول: على الحوثيين أن يفهموا أيضاً بوضوح شديد لا لبس فيه ولا غموض، أن السعودية قادرة بعون الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، ثم بعزم قادتها وسواعد أبنائها، على الدفاع عن كل حبة رمل في ثراها الطاهر الطيب المبارك وعن كل مواطن ومقيم في ربوعها.
وبعد:
أنا لا أفهم كيف يسمح من يسمون نفسهم (أنصار الله) بالاعتداء على بلاد شرَّفها الله وجعل فيها أول بيت وُضِعَ للناس، قِبْلَة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في كل صلواتهم، واختار منها عزَّ و جلَّ آخر رسله وأنبيائه للناس كافة؟!.. حقَّاً لا أفهم كيف لمن تسمَّوا بـ (أنصار الله) أن يعتدوا على دولة هم يعلمون أكثر من غيرهم، أنها تضطلع برسالة سامية عظيمة، همها الأول والأخير الاهتمام بالحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة ورعاية ضيوف الرحمن وخدمة العرب والمسلمين ورعاية شؤونهم.
وعليه أرى أن المنطق يقول يا هؤلاء: لا بد أن تعيدوا النظر في صحة عقيدتكم وحقيقة أمركم، أو أن تغيروا اسمكم، لأنه نقيض لسلوككم.
وفي كل الأحوال كونوا على يقينٍ تامٍ: السعودية لن تكون لقمة سائغة، لا لكم ولا لغيركم ممن يدفعونكم لتأبط الشَّر في هذا الطريق الشيطاني؛ واقرؤوا إن شئتم التاريخ لكي تتأكدوا بأنفسكم… والسلام على من اتبع الهدى.



