
نحن لا نربي أبناءنا وحدنا… الهواتف تفعل ذلك أيضًا!
تخيّل أن شخصًا غريبًا يدخل بيتك كل يوم، يجلس مع ابنك ساعات طويلة، يحدثه، ويؤثر في أفكاره، ويختار له ما يشاهده، ويعرّفه على أشخاص لا تعرفهم، ثم يغادر دون أن تسأله: من أنت؟ وماذا قلت لابني؟
ربما لن تسمح بذلك أبدًا.
لكن الحقيقة أن هذا «الغريب» قد يكون موجودًا بالفعل… داخل هاتف صغير نحمله بأيدينا، ونضعه أحيانًا بأنفسنا بين أيدي أبنائنا.
لم تعد التربية اليوم مسؤولية الأب والأم والمدرسة وحدهم؛ فقد دخل إلى المشهد مربٍ جديد، حاضر طوال الوقت، لا ينام ولا يتعب، ولا ينتظر الإذن كي يتحدث إلى أبنائنا: الشاشة.
الهاتف لم يعد مجرد وسيلة للاتصال أو الترفيه، بل أصبح نافذة واسعة يتلقى منها الطفل والمراهق أفكارًا وقيمًا وصورًا وأنماط حياة، ويشاهد عبرها أشخاصًا قد يصبح تأثيرهم فيه أقوى من كلمات والديه.
وهنا يبدأ السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه:
من يربي أبناءنا فعلًا؟
هل نحن من نصنع أفكارهم وقيمهم؟ أم أن جزءًا من هذه المهمة انتقل بصمت إلى المؤثرين والمقاطع القصيرة والألعاب والمحادثات والعالم الرقمي المفتوح؟
المشكلة ليست في الهاتف وحده، ولا في التقنية؛ فالتقنية أداة رائعة حين نُحسن استخدامها. المشكلة تبدأ عندما نعطي أبناءنا بابًا مفتوحًا على العالم، ثم ننسحب نحن من المشهد.
نشتري للطفل هاتفًا حتى ينشغل، ونسعد بهدوئه، ثم بعد سنوات نتساءل بدهشة: لماذا لم يعد يتحدث معنا؟ لماذا أصبح سريع الغضب؟ من أين تعلّم هذه الكلمات؟ ومن هؤلاء الذين يعرفهم؟
وربما يكون السؤال الأصعب:
أين كنا نحن طوال تلك الساعات؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث داخل الأسرة ليس أن يمسك الابن هاتفًا، بل أن يجد في هاتفه من يسمعه ويفهمه ويمنحه الاهتمام أكثر مما يجد داخل بيته.
فالمراهق الذي لا يستطيع الحديث عن أخطائه ومخاوفه وتساؤلاته مع أسرته، سيبحث غالبًا عن مساحة أخرى يستطيع أن يتحدث فيها. وهنا قد يجد من يحتويه فعلًا، وقد يجد من يستغل ضعفه أو فضوله أو حاجته للقبول.
ولهذا فإن حماية الأبناء في العصر الرقمي لا تكون بالمراقبة وحدها، ولا بالمنع المفاجئ، ولا بالصراخ كلما أخطأوا.
نحن بحاجة إلى شيء أعمق: علاقة تجعل الابن يعود إلينا قبل أن يعود إلى هاتفه.
اجلسوا مع أبنائكم. اسألوهم ماذا يشاهدون، ومن يتابعون، وما الذي يضحكهم وما الذي يخيفهم. ادخلوا عالمهم دون سخرية، وناقشوهم دون أن يتحول كل حوار إلى تحقيق أو محاكمة.
ضعوا حدودًا واضحة لاستخدام الأجهزة، لكن اجعلوا هذه الحدود جزءًا من ثقافة الأسرة كلها. فمن الصعب أن نطلب من الطفل أن يترك هاتفه بينما لا يرفع الكبار أعينهم عن شاشاتهم.
أبناؤنا يراقبون ما نفعله أكثر مما يسمعون ما نقوله.
ووسط سباق التقنية المتسارع، علينا أن نتذكر حقيقة بسيطة: لا نستطيع أن نغلق العالم عن أبنائنا إلى الأبد، لكننا نستطيع أن نبني داخلهم وعيًا يجعلهم قادرين على الدخول إليه دون أن يبتلعهم.
الهاتف ليس عدوًا، والتقنية ليست خطرًا في ذاتها، لكن ترك الأبناء وحدهم أمام عالم بلا حدود قد يكون مخاطرة لا نكتشف نتائجها إلا متأخرين.
لا تجعلوا هواتف أبنائكم تعرف عنهم أكثر مما تعرفون.
فالطفل الذي يجد في بيته حوارًا، وفي والديه أمانًا، وفي أسرته احتواءً، لن يكون من السهل على شاشة صغيرة أن تنتزع مكانهم من قلبه.
وفي النهاية…
إن لم نكن نحن الصوت الأقرب إلى أبنائنا، فلا ينبغي أن نستغرب يومًا حين نكتشف أن صوتًا آخر سبقنا إليهم.
سوزان صالح الشمري
صحفية وإعلامية – مستشارة أسرية وتربويه



