مقالات

حين يصبح العناد شعارا والأخلاق رفاهية ….. عن شخصيات لا تعرف للاحترام مكاناً.. بقلم الكاتب والإعلامي عبدالله بكري القرني

في هذا الزمنٍ يُفترض أنه عصر التواصل والانفتاح، برزت ظاهرة اجتماعية مقلقة تتجول بيننا يومياً: شخصيات عنيدة، صعبة الفهم، ترفع راية «أنا ومن بعدي الطوفان»، وتتعامل مع الآخرين وكأن الاحترام اختياري والذوق العام ترفٌ لا يلزمها. هؤلاء ليسوا مجرد «صعاب في التعامل»، بل أصبحوا نموذجاً يهدد نسيج العلاقات الاجتماعية في المنزل ومنه إلى الشارع إلى مواقع التواصل.
العناد عند هؤلاء ليس ثباتاً على مبدأ، بل غلافاً سميكاً يغطي جهلاً أو تعالياً أو ضعفاً داخلياً. يرفضون الاستماع، يقطعون الحديث، يفرضون رأيهم كأنه وحي منزل، يمنع مخالفته وإذا خالفهم أحد اعتبروه عدواً شخصياً. الصعوبة في فهمهم ليست تعقيداً فكرياً، بل تعمداً في الغموض والالتواء، كأنهم يستمتعون بإرباك الآخرين وإبقائهم في حالة دفاعية دائمة.لانهم لا يجيدون الإنصات
الأدهى من ذلك أن هؤلاء ينسون أو يتناسون أن الاحترام ليس منّة يمنّون بها، بل الحد الأدنى لأي تعايش بشري. يرفعون أصواتهم في الأماكن العامة، يستهزئون بمن يخالفهم، يتجاهلون آداب الحوار، ويعتبرون الذوق العام «مزاجاً شخصياً» لا يلزمهم. في المنزل وفي الشارع يصرخون، في العمل يتنمرون بلباقة مزيفة، وفي العلاقات الشخصية يحولون كل خلاف إلى حرب وجودية. الأخلاق عندهم انتقائية: يطالبون بها من الآخرين ويُعفون أنفسهم منها.وهم اقل من ان يستحقون
المجتمع يدفع ثمن هذه الشخصيات يومياً. في الأسرة يتحول الحوار إلى صراع، وفي العمل يتحول الفريق إلى ساحة توتر، وفي الفضاء العام ينتشر نموذج «القوي هو من يفرض صوته». الأسوأ أن بعض هذه الشخصيات يجد من يبرر له: «هو هكذا طبعه»، أو «العناد دليل شخصية قوية». هذا التبرير يمنحهم حصانة زائفة، ويحول السلوك المستهجن إلى «أسلوب حياة».
النقد هنا ليس دعوة للكبت أو التملق، بل تذكيراً بأن القوة الحقيقية ليست في رفض الآخر، بل في القدرة على الاستماع والاختلاف باحترام. الشخص العنيد الذي لا يعرف للذوق مكاناً ليس بطلاً، بل عبئاً اجتماعياً. والأخلاق ليست اختياراً موسمياً، بل معياراً يُقاس به الإنسان في كل لحظة.
حان الوقت أن نسمي الأشياء بأسمائها: العناد الأعمى ليس شجاعة،بل قلة في العقل وضعف في الشخصية والصعوبة في الفهم ليست عمقاً، وغياب الاحترام ليس حرية. من يرفض هذه القيم الأساسية يضع نفسه خارج دائرة التعايش، وعلى المجتمع ألا يمنحه مزيداً من التسامح الزائد الذي يحول الاستثناء إلى قاعدة.
الناقد الإعلامي: عبدالله بكري القرني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى