مقالات

«البخور ذاكرة البيت، والقهوة ذاكرة الضيافة، والكتاب ذاكرة الفكر، والإنسان ذاكرة كل ذلك

في منزل محمد اليامي.. مجلسٌ صغير تختصر جدرانه سيرة الجزيرة: بخورُ الضيافة، وقهوةُ الذاكرة، وقصاصات الصحف، و«جماليات البيت الفرساني القديم»، و«عتاب إلى البحر».. حيث تتحول الزيارة إلى رحلةٍ في تاريخ المكان وثقافته

في فرسان، لا يبدأ التاريخ من كتاب، ولا تنتهي الحكاية عند شاطئ؛ فهنا جزيرةٌ كتبت البحرَ أولًا، ثم جاء الإنسان ليكتب فوق مائه وملحه ولؤلؤه سيرةً أخرى.

في حي الصلب، وبعد جولةٍ في سوق النساء، قادتنا الخطى إلى منزل الإعلامي محمد اليامي. وما إن دخلنا مجلسه حتى بدا لنا أن البيت ليس مكانًا للضيافة فحسب، وإنما ذاكرةٌ مفتوحة على فرسان التي لا تراها العين كاملة، وإنما تقرؤها في الكتب والصحف ووجوه الرجال الذين عاشوا البحر.

سبق البخورُ الكلمات، وجاءت القهوة تحمل دفء المكان، ثم حضرت الغريبات والمقروطية، بما تختزنه من مذاقٍ شعبي وذاكرةٍ اجتماعية؛ وكأن المائدة هنا لا تطعم الضيف، بل تروي له شيئًا من سيرة الجزيرة.

وفي زاوية المجلس، كانت المكتبة تقول إن للبحر وجهًا آخر غير الموج.

بين رفوفها حضرت مؤلفات الشاعر إبراهيم مفتاح، وفي مقدمتها إصداره الأول «عتاب إلى البحر»؛ عنوانٌ يكشف وحده عمق العلاقة بين الفرساني والبحر، ذلك البحر الذي كان رزقًا ورفيقًا ومغامرةً وغيابًا، ثم صار في الشعر لغةً للحنين والبوح.

وفي زاوية أخرى، يطل كتاب المثقف أحمد إبراهيم يوسف «جماليات البيت الفرساني القديم»، ليعيد للبيت ذاكرته؛ فالبيوت القديمة ليست حجارةً وأبوابًا، وإنما ذاكرة الإنسان حين كان يصوغ من المكان مأوى، ومن تفاصيله هوية.

ثم جاءت قصاصات الصحف القديمة، فبدت الأوراق كأنها نوافذ على عقودٍ مضت؛ أخبار التنمية، ومهرجانات الحريد، وقضايا الأهالي، واللقاءات مع كبار السن والصيادين، وحكايات الغوص واللؤلؤ.

هناك، بدا واضحًا أن الصحافة لا تحفظ الحدث فقط؛ إنها تحفظ الزمن حين يصبح بعيدًا، وتحفظ وجوه الذين مروا به قبل أن تغيب ملامحهم.

وفي أحاديث البحر، كان اللؤلؤ حاضرًا بوصفه ثروةً خبأها الماء، بينما كانت الحكايات ثروةً أخرى خبأها الإنسان.

وهكذا اكتشفنا أن فرسان تملك لؤلؤتين:

لؤلؤةً خرجت من أعماق البحر، وحكايةً خرجت من أعماق الذاكرة.

ولعل أجمل ما في هذا المجلس أنه جمع الأشياء التي تبدو متباعدة، فإذا بها تنتمي إلى ذاكرة واحدة:

البخور ذاكرة البيت،
والقهوة ذاكرة الضيافة،
والطعام ذاكرة المائدة،
والصحيفة ذاكرة الحدث،
والكتاب ذاكرة الفكر،
والشعر ذاكرة البحر،
والبيت القديم ذاكرة المكان،
والإنسان ذاكرة كل ذلك.

غادرنا منزل محمد اليامي، لكن الحكاية بقيت معنا.

بقي البخور في الذاكرة، وبقيت القهوة في الحواس، وبقيت الكتب تفتح أبوابًا على زمنٍ لم ينتهِ، وبقيت القصاصات تقول إن الماضي لا يموت ما دام هناك من يحفظه.

وفي الطريق، بدا لي أن فرسان ليست جزيرةً تحيط بها المياه، وإنما ذاكرةٌ تحيط بها الحكايات.

فالبحر يحتفظ باللؤلؤ، والكتب تحفظ الفكر، والصحف تحفظ الحدث، والبيوت تحفظ الظلال، أما الإنسان فيحفظ الحكاية.

ولذلك، كلما ظننت أنك فرغت من قراءة فرسان، فتحت لك الجزيرة صفحةً أخرى وقالت:

لم تنتهِ الحكاية… ففي زاويةٍ أخرى، ذاكرةٌ تنتظر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى