
فرسان المساء.. وجهٌ آخر لجزيرة لا تنام … بقلم الكاتب والإعلامي حمد دقدقي
في فرسان، لا يأتي المساء دفعةً واحدة؛ إنما يتسلّل على مهل، كما يتسلّل المدّ إلى شواطئها، فيغسل عن النهار ضوءه، ويترك للمدينة أن تكشف وجهها الآخر. وجهٌ أكثر ألفة، وأشد حميمية، تتداخل فيه أصوات الناس مع حركة السيارات، وتتعانق فيه رائحة البحر مع عبق الشواء والبهارات، حتى يخيل للزائر أن المدينة كلها قد تحولت إلى مائدة مفتوحة على ذاكرة الجزيرة.
كان الغداء في مطعم المعادي بمدينة فرسان بدعوة كريمة من الأستاذ إبراهيم الصيادي، وبحضور محمد عبده يامي وعثمان حمق. وعلى المائدة كان البحر سيد الموقف؛ أجود أنواع السمك، وكأن فرسان أرادت أن تقدم لنا شيئًا من سرّها القديم: سمكٌ طازج، ومذاقٌ محلي، وكرمٌ لا يحتاج إلى كثير من الكلام.
في فرسان، الطعام ليس مجرد وجبة، بل حكاية أخرى من حكايات المكان. فالبحر الذي يحيط بالجزيرة من كل جانب، حاضرٌ في موائد أهلها كما هو حاضر في لغتهم وذاكرتهم وحياتهم اليومية.
وحين أقبل الليل، انتقلنا إلى حي الصلب، بدعوة كريمة من الأستاذ عثمان حمق، حيث كان العشاء أكثر تنوعًا، وأكثر التصاقًا بمذاقات الجزيرة والبيوت العربية؛ لحمٌ مقلقل، وفولٌ مدمس بالجبنة، والزقني، وأحاديث تمتد حول المائدة كما تمتد رائحة الطعام في أرجاء المكان.
ثم خرجنا إلى الشارع.
وهنا بدأت فرسان أخرى.
فرسان الليل.
مدينة لا تنام مبكرًا، ولا تغلق أبوابها مع انطفاء الشمس، بل تبدّل إيقاعها فقط. الشوارع تعج بالحركة، والسيارات تنساب في هدوء، والجلسات المرتبة تستقبل روادها، فيما تتوهج شاشات عرض المباريات في المقاهي، وتتنافس المطاعم والوجبات السريعة على استقطاب العابرين.
وفي الهواء رائحة لا تخطئها الذاكرة؛ رائحة شواء يتصاعد من مطعم قريب، وبهارات تفوح من مطبخ، وقهوة تُعد على مهل، وأحاديث متقطعة تأتي من هنا وهناك.
في المنطقة المركزية، أو ما يمكن أن نسميه وسط البلد، تبدو فرسان كأنها تخلع ثوب الجزيرة الهادئة، وترتدي ثوب المدينة الصغيرة التي تعرف كيف تحتفي بليلها.
المقاهي مضاءة، والواجهات التجارية تنبض بالحياة، والشباب يتوزعون في الجلسات، والعائلات تمرّ في هدوء، والسائح يمضي بعينيه أكثر مما يمضي بخطواته؛ يلتقط التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في النهار.
كنت أمشي في الشوارع وأتأمل هذا التحول الجميل.
فالجزيرة التي تبدو في النهار معلقة بين زرقة البحر وامتداد السماء، تصبح في الليل معلقة بين الضوء والظل؛ بين ماضيها الذي يسكن البيوت القديمة والأحياء العتيقة، وحاضرها الذي يظهر في المقاهي والمطاعم والشاشات والوجوه الشابة.
ولعل أجمل ما في فرسان أن الحداثة لم تستطع أن تنتزع منها روحها.
ما زالت للحي رائحته، وللشارع ذاكرته، وللمائدة معناها، وللضيف مكانه.
وما زال البحر، رغم أنه لا يظهر في كل لحظة، حاضرًا في كل شيء؛ في مذاق السمك، وفي رطوبة الهواء، وفي هدوء الناس، وفي ذلك الحنين الغامض الذي يشعر به المرء وهو يغادر المكان.
كانت جولتنا المسائية في أحياء فرسان أشبه بقراءة فصل جديد من كتاب الجزيرة؛ فصل لا تكتبه الخرائط، ولا تسجله الصور وحدها، وإنما تكتبه التفاصيل الإنسانية: دعوة إلى غداء، ورفاق حول مائدة، وعشاء في حي الصلب، ثم مشيٌ في شارع نابض بالحياة، تتعانق فيه رائحة الشواء مع نسيم البحر.
وفي آخر الجولة، بدا لي أن فرسان لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها كي تقول إنها جميلة.
يكفي أن تمشي في شوارعها ليلًا.
يكفي أن تجلس إلى مائدتها.
يكفي أن تسمع حديث أهلها.
فبعض المدن تُرى بالعين، أما فرسان…
فتُرى بالقلب







