
ثمان آل خبتي.. حين كان للكشافة عصرٌ من النهضة وصناعة الرجال
فجعت الكشافة السعودية، ومعها كل من عرف قيمة الرجال الذين عاشوا للكشفية وأعطوها من أعمارهم وفكرهم وجهدهم، برحيل القائد الكشفي عثمان بن حنش سعيد آل خبتي، أحد أبرز القيادات الكشفية التي أسهمت في مرحلة مهمة من مراحل نهضة الحركة الكشفية في المملكة، وأحد أولئك الرواد الذين لم تكن عضويتهم في الحركة مجرد انتماء، ولا قيادتهم مجرد مسمى، وإنما كانت رسالة آمنوا بها، ومارسوها، وتركوا أثرها في أجيال متعاقبة؛ وأحسب أن من عاش تلك المرحلة من تاريخ الكشافة السعودية يدرك أنها كانت أشبه بـ عصر نهضة كشفي حقيقي؛ نهضة في التأهيل القيادي، وتنمية العضوية، وبناء الشخصية، وتوسيع دائرة الخدمة المجتمعية، وصناعة قادة لم يكونوا يبحثون عن موقع في المشهد، بقدر ما كانوا يصنعون المشهد ويتركون وراءهم أجيالاً قادرة على مواصلة الطريق؛ وفي ذلك العصر، كان القائد عثمان آل خبتي واحداً من أولئك الذين حملوا راية العمل الكشفي بإيمان صادق، وجمعوا بين التربية والممارسة، وبين القيادة والخدمة، وبين الانضباط الإجرائي والبعد الإنساني الذي يميز العمل الكشفي الحقيقي.
لقد كان الراحل نموذجاً للقائد الذي يمتلك الرؤية الواضحة؛ يعرف ماذا يريد من العمل الكشفي، ويؤمن بأن البرنامج ليس نشاطاً عابراً، وإنما وسيلة لبناء الإنسان وتنمية قدراته وخدمة مجتمعه؛ وكان قادراً على تحويل تلك الرؤية إلى واقع، وعلى تقبل الرأي والنقد البناء، لأن القائد الحقيقي لا يخشى الأفكار المختلفة، وإنما يوظفها لتطوير العمل؛ وكان أيضاً قائداً مؤثراً ومحفزاً، يعرف كيف يشعل الحماس في نفوس من يعملون معه، وكيف يجعلهم يشعرون بأن ما يقدمونه للكشفية ليس واجباً يؤدي، وإنما رسالة تستحق أن يبذل الإنسان من أجلها وقته وجهده؛ ولذلك لم يكن غريباً أن تتخرج على يديه أجيال من القادة الذين حملوا الراية من بعده.
ومن أبرز ما ميزه كذلك التواصل الإنساني؛ فقد كان قريباً من الكشاف والقائد والمستفيد، حسن الاستماع، قادراً على فهم الآخرين والتعامل معهم بما يعزز الثقة والانتماء؛ وهذه صفة لا تقل أهمية عن المعرفة الفنية، لأن الحركة الكشفية في جوهرها حركة إنسانية قبل أن تكون برامج ومناهج ومخيمات؛ كما كان ناضجاً في قراراته، هادئاً في تعامله، لا يستعجل الحكم، ويعرف أن الأخطاء جزء من رحلة التعلم، وأن القائد لا يُقاس بعدد القرارات التي اتخذها فقط، وإنما بقدرته على تحمل نتائجها وتحويل التجربة إلى معرفة يستفيد منها الآخرون.
وفي العمل، كان منظماً ومخططاً، يؤمن بأن النجاح لا يأتي بالصدفة، وأن البرامج الكشفية الناجحة تحتاج إلى إعداد جيد، وتوزيع واضح للأدوار، ومتابعة دقيقة، وإيمان بقدرات الفريق؛ ولذلك كانت بصمته واضحة في الأعمال التي شارك فيها، وفي القادة الذين تعلموا منه؛ وكانت الأصالة والصدق من أهم ملامح شخصيته؛ لم يكن بحاجة إلى أن يتكلف صورة القائد، لأنه كان يمارس القيادة بطبيعته؛ صدقه مع نفسه ومع الآخرين صنع له مكانة خاصة في نفوس زملائه وتلاميذه، وجعل احترامه نابعاً من السلوك والمواقف لا من الألقاب والمواقع.
كما امتلك المرونة والقدرة على التكيف، وهي من الصفات التي يحتاج إليها القائد الكشفي على وجه الخصوص؛ فالميدان متغير، والاحتياجات متجددة، والقائد الذي لا يتعلم ولا يتطور سرعان ما يصبح أسير أدوات الماضي؛ أما آل خبتي، فكان يؤمن بالتعلم من التجربة، والاستفادة من الجديد، وتطوير الذات باستمرار؛ كما كان مبدعاً في رؤيته للعمل الكشفي، يشجع من حوله على التفكير، ويؤمن بأن لكل مشكلة أكثر من حل، وأن العمل الجماعي وتنوع الخبرات يمكن أن يصنعا نتائج أكبر من قدرة الفرد وحده.
ولم تكن الثقة بالنفس لديه تعني التعالي أو الاستعلاء، بل كانت ثقة القائد الذي يعرف قدراته، وفي الوقت نفسه يعرف قدرات الآخرين، فيمنحهم المساحة ويشجعهم على اكتشاف إمكاناتهم؛ وربما لهذا السبب استطاع أن يترك أثراً عميقاً في نفوس من عملوا معه؛ أما التعلم المستمر وتطوير الذات فكانا جزءاً من شخصيته القيادية، لأن القائد الذي يتوقف عن التعلم يتوقف عن صناعة القادة؛ وقد انعكس ذلك في قدرته على نقل خبرته إلى من حوله، وفي الأجيال الكشفية التي نهلت من تجربته.
ومن هنا تحديداً تبرز قيمة الراحل عثمان آل خبتي في تاريخ الكشافة بمحافظة بيشة؛ فقد كان أحد أبرز قياداتها، ولم يقتصر عطاؤه على المشاركة في الأنشطة والبرامج، وإنما أسهم في بناء الإنسان الكشفي وصناعة القائد؛ وتتلمذ على يديه عدد من القادة الكشفيين الذين يقودون اليوم العمل الكشفي المؤسسي الحقيقي، ويواصلون أداء رسالتهم بروح المسؤولية والاحتراف، الأمر الذي أسهم في أن تصبح بيشة واحدة من المحافظات البارزة في مسيرة التميز الكشفي على مستوى المملكة.
وهنا تكمن عظمة القائد الحقيقي؛ فالقائد الذي ينتهي أثره بانتهاء وجوده ليس كالقائد الذي يبقى حاضراً في كل مشروع ناجح، وفي كل قائد تعلم منه، وفي كل كشاف اكتسب منه قيمة، وفي كل مبادرة مجتمعية امتدت جذورها إلى تجربة عاشها معهم.
لقد كان القائد عثمان آل خبتي من جيل الرواد الحقيقيين في الكشافة السعودية؛ ذلك الجيل الذي أفنى سنوات عمره في خدمة الحركة، ولم يتعامل معها باعتبارها مرحلة وظيفية تنتهي بانتهاء الخدمة، بل باعتبارها رسالة حياة؛ ولذلك بقيت علاقته بالكشافة ممتدة في وجدانه، وبقيت قضاياها حاضرة في اهتمامه، وظل إيمانه برسالتها ومبادئها ثابتاً؛ وفي مواسم خدمة ضيوف الرحمن، كان للراحل حضوره وإسهامه في واحدة من أنبل صور العمل الكشفي؛ خدمة الحجاج؛ وهي المهمة التي تكشف معدن الإنسان قبل القائد، لأن خدمة ضيف الرحمن تحتاج إلى الصبر، والتواضع، والانضباط، وسرعة المبادرة، والشعور بالمسؤولية، وهي كلها قيم تربى عليها أبناء الحركة الكشفية الأوائل، وكان عثمان آل خبتي واحداً من الذين جسدوها ممارسة لا شعاراً؛ وكانت إنسانيته واحدة من أجمل الجوانب التي عرفها عنه زملاؤه ومن عايشوه؛ فقد كان يرى في الإنسان قيمة قبل أن يرى فيه عضواً أو قائداً أو كشافاً، ويعرف أن أجمل ما يمكن أن يتركه المرء بعد رحيله ليس منصباً ولا لقباً، وإنما أثر طيب في نفوس الآخرين.
وما أشد قسوة الفقد حين نكتشف أن الكشافة السعودية خسرته مبكراً منذ أن بدأت معاناته مع المرض، وأن جسده الذي حمله إلى ميادين العمل والخدمة لم يعد قادراً على مواصلة المسيرة كما كان يتمنى؛ ومع ذلك بقيت روحه حاضرة، وبقي اسمه في ذاكرة من عرفوه، وبقيت أعماله شاهدة على مرحلة من الزمن كان فيها للكشفية رجال يؤمنون بها قبل أن يعملوا فيها.
إن رحيل عثمان بن حنش سعيد آل خبتي ليس فقداً لشخص فحسب، وإنما هو فقد لجزء من ذاكرة الكشافة السعودية، ولصفحة من صفحات جيل الرواد الذين صنعوا نهضتها وأرسوا قواعدها وبنوا رجالها؛ وأنا إذ أنعي باسمي القائد الكشفي الراحل، فإنني أنعي فيه أخاً وزميلاً وقائداً عرفته الساحة الكشفية بعطائه وإنسانيته، وأتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى أسرته الكريمة، وإلى زملائه وتلاميذه ومحبيه، وإلى الأسرة الكشفية في محافظة بيشة، وإلى الكشافة السعودية كافة.
رحم الله عثمان آل خبتي رحمة واسعة، وجزاه عن الكشافة وخدمة المجتمع وخدمة ضيوف الرحمن خير الجزاء، وجعل ما قدمه من علم وعمل وتربية وصناعة للقادة في ميزان حسناته.
سيغيب الرجل، لكن القائد الذي يصنع القادة لا يغيب؛ لأن بعض الرجال يرحلون بأجسادهم، ويبقون بأثرهم؛ وعثمان آل خبتي واحد من أولئك الذين سيبقى أثرهم حاضراً كلما وقف قائد كشفي من بيشة في ميدان العمل، وكلما حمل كشاف راية الخدمة، وكلما تذكرت الكشافة السعودية رجال نهضتها وروادها الحقيقيين.
رحم الله فقيد الكشافة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه وزملاءه وتلاميذه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
