
حين يكون الوفاء ذاكرةً لا تنطفئ
كانت زيارتي إلى القاهرة مؤخراً خاطفة وغير مجدولة، ولم يكن في برنامجها متسع للكثير من اللقاءات، غير أن هناك لقاءً شعرت أنه ليس من المناسب أن تغادر القاهرة دونه؛ لقاء الأخ العزيز أيهاب شعبان، أمين ومؤسس ومنسق جائزة القائد الكشفي الراحل هشام عبدالسلام، ذلك الزميل الذي تجمعني به علاقة أخوية قديمة، بدأت منذ كان أحد أبرز الزملاء في المنظمة الكشفية العربية بإدارة الإعلام والاتصال، واستمرت رغم مرور الأعوام وتباعد الأمكنة.
كان اللقاء قصيراً في وقته، لكنه كان كبيراً في معانيه ودلالاته، فقد وجدت فيه ما اعتدته دائماً من أخي إيهاب من رحابة صدر، وحفاوة استقبال، وكرم لا يرتبط بطول اللقاء أو قصره، وإنما هو طبع أصيل وسجية راسخة؛ وما أجمل أن يظل الإنسان محتفظاً بهذه الصفات مهما تغيرت الظروف وتعاقبت السنوات؛ ولم يكن هذا الكرم غريباً على إيهاب شعبان، فقد عرفت والده الكريم الحاج أحمد شعبان – رحمه الله-، الذي كان مدير الأغذية بالمركز الكشفي العربي، وكانت لي معه معرفة وذكريات جميلة؛ فقد كان رجلاً كريماً في كل شيء؛ في استقباله، وفي حديثه، وفي تعامله، وفي مواقفه الإنسانية، وكأن الكرم عنده لم يكن فعلاً عابراً، بل قيمة يعيشها وسلوكاً يمارسه؛ ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه الآباء لأبنائهم ليس المال ولا الممتلكات، وإنما السيرة الطيبة، وحسن الخلق، ومحبة الناس؛ وفي لقاء إيهاب شعرت أن شيئاً من تلك الصفات الجميلة التي عرفناها في والده ما زال حاضراً فيه؛ فالبيوت الأصيلة تورث أبناءها ما هو أبقى من الأشياء: تورثهم القيم.
وقد أخذ حديثنا خلال اللقاء جانباً مهماً من العمل الكشفي، تمثل في جائزة القائد الكشفي الراحل هشام عبدالسلام، التي أصبحت مع مرور الوقت إحدى صور الوفاء الجميلة لشخصية كشفية وإعلامية تركت حضورها وأثرها في الميدان؛ فالجوائز التي تحمل أسماء الرواد ليست مجرد مناسبات لتكريم الفائزين، ولا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها حدثاً احتفالياً ينتهي بانتهاء مراسمه، وإنما هي وسيلة لاستحضار سيرة من رحلوا، والتعريف بعطائهم، وتحويل ذكراهم إلى قيمة حية تستفيد منها الأجيال الجديدة ؛ والجميل في جائزة هشام عبدالسلام أنها جاءت من هذا المنطلق؛ لتقول إن العمل الكشفي لا ينسى أبناءه، وإن الذين أسهموا في مسيرته لا تغيب أسماؤهم بمجرد رحيلهم، بل يمكن أن تبقى حاضرة من خلال مبادرات تحمل أسماءهم وتكرّم المتميزين وتفتح المجال أمام مواصلة الطريق.
وتطرق حديثنا كذلك إلى النسخة القادمة من الجائزة، التي ستقام بعد أيام، وإلى الاستعدادات والعمل من أجل إنجاحها وإخراجها بالصورة التي تليق باسم صاحبها وبالقائمين عليها، وهي مسؤولية لا تتوقف عند التنظيم والإعداد، وإنما تمتد إلى المحافظة على روح الجائزة ورسالتها، حتى تظل وفية للهدف الذي من أجله أطلقت.
لقد غادرت اللقاء وأنا أحمد الله أن أتاح لي، رغم ضيق الوقت، أن ألتقي بأخي أيهاب شعبان، فقد أدركت مرة أخرى أن بعض اللقاءات لا تقاس بالدقائق التي تستغرقها، وإنما بما تتركه في النفس من شعور بالامتنان والوفاء؛ وفي زمننا هذا الذي تتسارع فيه الحياة، وتتغير فيه العلاقات، وتصبح اللقاءات في كثير من الأحيان عابرة وسريعة، تظل هناك علاقات إنسانية لا تهزمها المسافات ولا تضعفها الأعوام فهي علاقات بدأت من العمل، لكنها تجاوزت حدود العمل إلى الأخوة والمحبة والتقدير.
وما بين لقاء الأمس ولقاء اليوم، تبقى الكشافة واحدة من أجمل المساحات التي صنعت صداقات امتدت خارج المعسكرات والمناسبات والاجتماعات، لتتحول إلى روابط إنسانية حقيقية، يتذكر فيها الإنسان زملاءه، ويسأل عنهم، ويحرص على لقائهم كلما سنحت الفرصة؛ ومن هنا تأتي قيمة الوفاء للراحلين؛ فالوفاء ليس أن نتحدث عنهم في ذكرى رحيلهم فقط، وإنما أن نحافظ على ما تركوه من قيم، وأن نواصل الأعمال التي كانوا يؤمنون بها، وأن نمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على سيرهم وتجاربهم وعطائهم.
رحم الله القائد الكشفي هشام عبدالسلام، ورحم الله الحاج أحمد شعبان، وكل من تركوا خلفهم سيرة طيبة وأثراً لا ينقطع. وجزى الله كل من يعمل على حفظ ذاكرة الرواد وإبقاء أسمائهم حاضرة في وجدان الكشافة والمجتمع.
لقد كانت زيارتي إلى القاهرة خاطفة، لكن لقاء إيهاب شعبان ذكّرني بأن قيمة الإنسان لا تكمن فقط فيما أنجزه في حياته، وإنما أيضاً في الأثر الذي يتركه في الآخرين، وفي الأبناء الذين يحملون جميل آبائهم، وفي الأصدقاء الذين يظلون أوفياء للعهود مهما امتدت بهم السنوات.
فما أجمل أن يكون الوفاء عملاً، وأن تتحول الذكرى إلى مبادرة، وأن يبقى الراحلون أحياءً بما تركوه من قيم وأثر وسيرة طيبة.



