مقالات

” إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا” …. بقلم الكاتب علي ابو مالح

لكل إنسانٍ روايتان عن حياته؛ روايةٌ تكتبها الأحداث، وروايةٌ يكتبها القلب. فالأحداث قد تتشابه بين الناس، لكن الذي يبقى منها في الذاكرة

هو الذي يصنع قصة العمر.

تأملت يومًا في إبراهيم عليه السلام، فإذا هي حياةٌ امتلأت بالابتلاءات. أُلقي في النار، وهاجر عن وطنه، وانتظر الولد أعوامًا طويلة، ثم ابتُلي بأمرٍ تهتز له القلوب، أن يذبح ابنه بيده. ولو مرَّ ببعض هذه الأحداث إنسان، لبقي يرويها ما بقي من عمره.

لكن إبراهيم عليه السلام لم يجعل النار عنوانًا لحياته، ولا الغربة، ولا سنوات الانتظار، ولا مشهد الذبح. وبعد تلك الرحلة الطويلة، اختصر علاقته بربه في كلمات قليلة، فقال:

﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.

توقفت طويلًا أمام هذه الآية. ليس لأن إبراهيم نسي الابتلاء، فالأنبياء لا ينسون ما مروا به، ولكن لأن لطف الله كان أكبر في قلبه من كل ما تألم منه. فحين نظر إلى الماضي، لم يرَ النار أولًا، بل رأى الذي أنجاه منها، ولم يرَ الغربة أولًا، بل رأى الذي صاحبه فيها، ولم يرَ البلاء أولًا، بل رأى لطف الله الذي أحاط به في كل مرحلة.

وهنا أدركت أن الإنسان لا يختلف عن غيره بكثرة ما مرَّ به، وإنما يختلف بما أبقاه في قلبه بعد أن مرَّ به.

فكم من إنسانٍ يكتب تاريخه بالجراح، حتى لا يرى في عمره إلا ما فقد، وما انكسر، وما تأخر. وكم من مؤمنٍ يعود إلى الماضي، فيرى يد الله التي حملته، وسترته، وهدته، ونجَّته، حتى يصبح لطف الله هو أعظم ما بقي في ذاكرته.

ليست القضية فيما مرَّ بك، بل فيما سمحت له أن يبقى منك.

ولهذا بقي من رحلة إبراهيم عليه السلام، بكل ما فيها من ابتلاءات، هذه الشهادة العظيمة:

﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى