مقالات

تمور وادي الدواسر.. ثروة وطنية تستحق الحماية من عبث الغش والطمع

تُعد محافظة وادي الدواسر واحدة من أهم وأكبر المحافظات الزراعية في المملكة العربية السعودية، في مجال إنتاج التمور، حيث تحتضن أكثر من نصف مليون نخلة تنتج أصنافاً متميزة عُرفت بجودتها على مستوى المملكة، من أشهرها السري والخلاص والهشيش والمكفزي والعنيب وأم قميعة والبرحي وغيرها من الأصناف التي ارتبط اسمها بوادي الدواسر وأصبحت جزءاً من هويته الزراعية وتراثه الاقتصادي.
وعلى مدى عقود طويلة، كان المزارعون وأهالي المحافظة هم من يتولون خدمة نخيلهم وتسويق منتجاتهم بأنفسهم داخل المحافظة وخارجها، سواء في أسواق الرياض أو مناطق الجنوب وغيرها، وكانت التمور تصل إلى المستهلك في مواسمها الطبيعية المعروفة، وفق دورة النضج المعتادة التي تتشابه مع المناطق الزراعية المماثلة في الظروف المناخية وطبيعة الأصناف، الأمر الذي أسهم في بناء ثقة كبيرة لدى المستهلك بتمور وادي الدواسر وجودتها ومصداقيتها.
غير أن المشهد بدأ يتغير خلال الأعوام الأخيرة بعد أن انتقلت إدارة وتسويق عدد من المزارع إلى بعض العمالة التي لا تنظر إلى هذه الثروة الزراعية إلا بمنظار الربح السريع، فقادها الطمع والجشع إلى ممارسات أضرت بالمنتج وأساءت إلى سمعته؛ ومن أبرز تلك الممارسات التدخل في مراحل نضج الثمار وتحويل البُسر، وهي المرحلة التي تبدأ فيها الثمرة بالتحول من اللون الأخضر إلى الأصفر أو الأحمر، إلى رطب بوسائل غير طبيعية تهدف إلى طرح المنتج في الأسواق مبكراً وإيهام المستهلك بأنه من بواكير الموسم الأولى، ليُباع بأسعار مرتفعة لا تعكس حقيقته.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض تلك الممارسات تتجاوز ذلك إلى خلط المنتج بطرق تفتقر إلى الأمانة التجارية، من خلال إدخال كميات من رطب مواسم سابقة أو مزج حبات لم يكتمل نضجها داخل العبوات، في صورة من صور الغش التي تضر بالمستهلك أولاً، وتسيء إلى سمعة المنتج المحلي ثانياً، وتُلحق الضرر بالمزارعين الشرفاء الذين يحرصون على تقديم تمور وادي الدواسر بجودتها الحقيقية التي عُرفت بها عبر الأجيال.
إن القضية هنا لا تتعلق بموسم أو سوق أو مزرعة بعينها، بل تتعلق بسمعة محافظة كاملة وبمنتج وطني يمثل مصدر فخر لأبنائها وللقطاع الزراعي في المملكة؛ فالتمور السعودية اليوم أصبحت سفيراً للمملكة في الأسواق المحلية والعالمية، وتحظى بدعم كبير من القيادة الرشيدة والجهات المختصة ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تعزيز الأمن الغذائي ورفع جودة المنتجات الوطنية وزيادة قدرتها التنافسية.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية مشتركة بين الجهات الرقابية والزراعية والتجارية والبلدية، وكل جهة ذات علاقة، للوقوف بحزم أمام أي ممارسات تسيء إلى المنتج الوطني أو تضر بالمستهلك أو تشوه سمعة التمور التي عُرفت بها المحافظة؛ كما أن حماية هذا الإرث الزراعي تتطلب تكثيف الرقابة على أساليب التسويق والتعبئة والعرض، والتأكد من سلامة المنتجات المطروحة في الأسواق ومطابقتها للمعايير النظامية.
إن أهالي وادي الدواسر، الذين ارتبطت حياتهم بالنخلة منذ عقود طويلة، لا يقبلون أن تُختزل سمعة تمورهم في ممارسات فردية تحركها الرغبة في الربح السريع؛ فهم يدركون أن السمعة تُبنى عبر أعوام طويلة من العمل والصدق والجودة، بينما قد تتضرر بسبب تصرفات قليلة تفتقر إلى الضمير والمسؤولية.
ولذلك فإن الأمل معقود على الجهات المختصة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات تحفظ لهذا المنتج مكانته، وتحمي المستهلك من الغش، وتصون سمعة تمور وادي الدواسر التي كانت وما زالت إحدى العلامات المضيئة في سجل الزراعة السعودية، وثروة وطنية تستحق الحماية والدعم والحفاظ عليها للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى