
الثبات على الدين في زمن الحروب والفتن … للكاتب والإعلامي عبدالقادر بن سليمان مكي
الثبات على جادة الدين في ظهور الفتن هو طوق النجاة الأوحد للمؤمن والسبيل الأسمى لمرضاة رب العالمين في الأولى والآخرة حيث يغدو هذا التمسك جهادا مقدساً تتوثق فيه عرى النفس وتلجم فيه النزوات أمام طوفان المغريات المائجة وشبهات العصر العاتية التي تتقاذف القلوب من كل صوب وفي هذا الزمان الذي تتلاطم فيه الفتن كموج البحر ليلج يصبح القابض على دينه كالقابض على جمر متقد يعظم به أجر الصابرين المتمسكين بشرع الله الحنيف ولله در القائل في وصف الغربة والثبات
سيـأتي عـلى النـاس زمـان يـذوب فيه لـب الـلبيـب كـما يـذوب الـملح في الـماء قـيل مـم ذاك يـا رسـول الـله قـال مـما يـرى مـن الـمنكر لا يـستطيـع غـيره وإن مـن أرفع الوسائل التي تمد المؤمن بمدد من القوة والثبات هو الإقبال الخاشع على مأدبة القرآن الكريم تلاوة وتدبراً وعملاً والإلتزام المستمسك بالفرائض الراتبة وفي طليعتها الصلاة التي هي عماد الدين والناهية عن الفحشاء والمنكر والباذرة في روع العبد أنوار الطمأنينة والسكينة كما يتجلى الدعاء الضارع إلى الله بوصفه حبل الوصل المتين لتثبيت الفؤاد ودرء الزيغ والضلال ويقين العبد في ربه هو حصنه الحصين وسلاحه اليقين كما صاغ ذلك خُبَيْبٌ بنُ عَدِيٍّ رضي الله عنه في أبيات :
فلستُ أُبالي حِينَ أُقتَلُ مُسلِماً
على أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللهِ مَصرَعي
ولستُ بمبدٍ للعدو تخشُّعاً
ولا جزَعَاً، إنّي إلى الله مَرجِعي
ولاريب أن للصحبة الصالحة أثراً بالغاً في شحذ الهمم حيث تأخذ بيدك نحو معالي القربات وتذكرك بالله إن غفلت وتشد عضدك إن ذكرت فضلا عن التسلح بطلب العلم الشرعي النير الذي يبدد غياهب الجهل ويهتك أستار الشبهات الزائفة والمضللة إن لزوم الإستقامة يورث النفس طمأنينة علوية في هذه الحياة الدنيا ويثمر حسناً في المآب وخاتمة السعادة والفوز بجنات النعيم في العقبى وكما قال الإمام الشافعي :
وَلَمّا قَسا قَلبي وَضاقَت مَذاهِبي
جَعَلتُ الرَجا مِنّي لِعَفوِكَ سُلَّما
تَعاظَمَني ذَنبي فَلَمّا قَرَنتُهُ
بِعَفوِكَ رَبّي كانَ عَفوُكَ أَعظَما
فَما زِلتَ ذا عَفوٍ عَنِ الذَنبِ لَم تَزَل
تَجودُ وَتَعفو مِنَّةً وَتَكَرُّما
والثبات على الدين في زمن الفتن يعد من أعظم القربات وأشد الواجبات التي تواجه المسلم في حياته المعاصرة حيث تتلاطم أمواج الشبهات والشهوات لتختبر قوة الإيمان وعمق اليقين في القلوب المؤمنة وإن المتأمل في نصوص الوحيين من كتاب وسنة يجد حثاً بالغاً على الاستمساك بالعروة الوثقى والعض بالنواجذ على قيم الإسلام وتشريعاته السامية في مواجهة المتغيرات الجارفة التي تسعى لزعزعة المبادئ وتتشوف لتشويه الحقائق الثابتة ويتطلب تحقيق هذا الثبات ركائز أساسية تنطلق من باطن النفس وتنعكس على جوارح السلوك أولها وأعظمها اللجوء الصادق إلى الله سبحانه وتعالى والاعتصام بحبله المتين من خلال تدبر آيات القرآن الكريم والعمل بمحكمها والإهتداء بنورها الذي يبدد ظلمات الحيرة والشكوك ويليه الإكثار من الدعاء والإلحاح فيه بسؤال الله الهدى والسداد والثبات على الحق حتى الممات مقتدين في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يكثر من قول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك كما يشكل العمل بالعلم الشرعي سياجاً منيعا يحمي الفرد من الانجراف وراء الأفكار المنحرفة والدعوات المضللة فالعلم يورث البصيرة التي تميز بين الحق والباطل والنافع والضار ولا يكتمل هذا البناء الإيماني إلا بوجود البيئة الصالحة والصحبة الوفية التي تأخذ بيد المرء نحو الطاعة وتذكره إذا نسي وتعينه إذا غفل فالإنسان ضعيف بنفسه قوي بإخوانه الذين يشاركونه ذات المبدأ والغاية ،
وفي الختام يظل اليقين بنصر الله وعظيم ثوابه للمتمسكين بدينهم في أوقات الشدائد هو المحرك الأساسي للصبر والمجاهدة فالمسلم يدرك أن الدنيا فانية وأن العاقبة للمتقين مما يمنحه قوة نفسية وطمأنينة قلبية تجعله راسخا كالجبال الرواسي لا تحركه العواصف ولا تثنيه المغريات ليفوز برضا الرحمن وجنات النعيم



