الاخبار المحلية

“يوسف الجمعان” رحيلُ حكيمٍ صنع رجالاً، وترك في القلوب فراغاً لا يُملأ

في يومٍ من أيام الله العشر، وفي يوم التروية تحديداً، صعدت روح الأستاذ يوسف بن جمعان الجمعان إلى بارئها، وكأن القدر اختار له لحظةً تليق برجلٍ عاش حياته كلها في خدمة الناس، وفي خدمة وطنه، وفي خدمة الفتية والشباب عبر الكشفية… رحل في يومٍ تتنزّل فيه الرحمات، وتُكتب فيه الأجور، وتُرفع فيه الدعوات، وكأن السماء أرادت أن تستقبله ببابٍ مفتوح.
يوسف الجمعان ليس مجرد اسمٍ في سجلّ جمعية الكشافة العربية السعودية، ولا مجرد قائدٍ شغل منصب الأمين العام لسنوات طويلة، بل هو ذاكرةٌ كاملة من الحكمة، والاتزان، والإنسانية، والقيادة الهادئة التي تُشبه الماء… لا صوت لها، لكنها تصنع الحياة.
وُلِد عام 1362هـ (1942م)، وعاش أكثر من ثمانية عقودٍ كانت مليئة بالعطاء، لم يعرف خلالها إلا طريق العمل، وطريق الإخلاص، وطريق التربية؛ ومنذ أن كُلّف بعضوية مجلس إدارة الجمعية عام 1388هـ وحتى عام 1422هـ، ظلّ يوسف الجمعان قلباً نابضاً للكشفية السعودية، يخطط، ويقود، ويُشرف، ويُعلّم، ويُهذّب، ويُخرج أجيالاً من القادة الذين ما زالوا حتى اليوم يذكرون كلماته، وابتسامته، وهدوءه، ونظرته التي كانت تسبق الحدث بخطوات.
كان يوسف الجمعان مدرسةً في الحكمة…
مدرسةً في الصبر…
مدرسةً في القيادة التي لا تبحث عن الضوء، بل تصنعه للآخرين.
عرفته قائداً لا يرفع صوته، ولا يطلب لنفسه شيئاً، ولا يحرص على الظهور، بل كان يرى أن المجد الحقيقي هو أن يبرز الشباب، وأن تُصنع الفرص لهم، وأن يُشاد بجهودهم لا بجهده؛ كان يقول دائماً: “الكشاف هو البطل… نحن فقط نُهيّئ له الطريق”.
وكان يؤمن بأن الإعلام ليس منصةً للمديح، بل نافذةٌ لإظهار أثر الفتية في المجتمع، ولذلك كان يحرص على أن يكون خلف الكاميرا لا أمامها.
قاد معسكرات الخدمة العامة في مكة والمدينة لسنوات، وكان يرى في خدمة الحجاج عبادةً لا تقل عن أي عبادة أخرى؛ وأشرف على عشرات الدورات والندوات، ورأس وفود المملكة في الخليج والعالم العربي، وشارك في مناسبات عالمية كبرى، من أبرزها المؤتمر الكشفي العالمي الخامس والعشرون في الدنمارك عام 1975، والمؤتمر الكشفي العالمي الرابع والثلاثون في النرويج عام 1996 ومثل المملكة في اللقاء العربي الأوروبي في الكويت عام 1998، وأشرف على المعسكر السعودي الأمريكي اليوناني عام 1983.
ولم يكن ذلك كله إلا جزءاً من مسيرةٍ طويلة تُوّجت بأوسمةٍ رفيعة: قلادة مجلس التعاون، وقلادة الكشاف العربي، والقلادة الكشفية الفضية.
لكن الحقيقة التي يعرفها كل من اقترب منه، أن أعظم أوسمته لم تكن معلّقة على صدره… بل كانت معلّقة في قلوب من عرفوه.
كان إنساناً قبل أن يكون قائداً.
كان مربياً قبل أن يكون مسؤولاً.
كان قريباً من الجميع، يسأل عن أحوالهم، يطمئن عليهم، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويعاملهم كأبنائه لا كمرؤوسين.
أتذكر ليالي طويلة سهرتُ فيها معه نرتّب كيف نحفظ أرشيف الجمعية، ونتحدث عن المستقبل، وعن الشباب، وعن أهمية التوثيق، وعن ضرورة أن تبقى الذاكرة الكشفية حيّة؛ كان يحمل همّ الجمعية كما يحمل الأب همّ أبنائه، وكان يرى أن العمل التطوعي ليس مهمة، بل رسالة.
رحل يوسف الجمعان…
رحل الرجل الذي كان إذا حضر اطمأنّ الجميع، وإذا تحدث أصغى الجميع، وإذا قرر مضى الجميع خلفه بلا تردد.
رحل الرجل الذي لم يكن يملك إلا قلباً كبيراً، وابتسامةً صادقة، وضميراً لا يعرف إلا الحق.
رحل في يومٍ مبارك، وفي زمنٍ مبارك، وفي أيامٍ تُرجى فيها الرحمة والمغفرة…
رحل تاركاً خلفه إرثاً لا يُنسى، وسيرةً لا تُمحى، ودموعاً لا تُكابر.
اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وارفَع درجته في عليين، واجمعه بمن أحبّ في مستقر رحمتك.
اللهم إن يوسف الجمعان كان من أهل الخير، ومن أهل التربية، ومن أهل العمل الصالح… فاجزه عنّا وعن وطنه وعن شبابه خير الجزاء.
لقد بكاه من عرفه، وسيبكيه من يقرأ سيرته، وسيبقى اسمه محفوراً في ذاكرة الكشفية السعودية ما بقيت الأجيال تتعلم معنى الحكمة، ومعنى القيادة، ومعنى أن يكون الإنسان إنساناً قبل كل شيء.

مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى