
التدريب في الطوارئ والكوارث ..… استثمار يُنقذ الأرواح بقلم طلال الفدعاني
في عالم الطوارئ والكوارث، لا تُقاس كفاءة الجهات بسرعة الوصول إلى موقع الحدث فحسب، بل تُقاس بما تم بناؤه قبل ذلك بوقت طويل من استعداد وتخطيط وتدريب. فالحقيقة التي كثيرًا ما يتم تجاهلها أن لحظة وقوع الكارثة ليست وقتًا للتعلّم، بل هي لحظة اختبار لما تم الإعداد له مسبقًا.
النتائج في إدارة الأزمات لا تُصنع في لحظة الاستجابة، بل تتشكل بهدوء داخل قاعات التدريب، وفي تفاصيل الخطط، وفي التمارين التي قد تبدو روتينية، لكنها في الواقع تصنع الفارق بين السيطرة والانهيار. فالاستجابة ليست بداية الحدث، بل هي النتيجة الطبيعية لكل ما سبقها من إعداد وتجهيز.
ومن الأخطاء الشائعة النظر إلى الاستجابة على أنها نقطة الانطلاق، بينما هي في حقيقتها محصلة نهائية لعناصر أساسية تشمل التدريب والتخطيط والتنسيق والتمارين العملية. وعندما تغيب هذه العناصر، تظهر الفوضى في صورة تردد في اتخاذ القرار، وتضارب في الأدوار، وهدر في الوقت. أما حين تكون الجاهزية حاضرة، تتحرك الفرق بثقة، وتتكامل الجهود بسلاسة، وتُنفذ المهام بكفاءة عالية، والفارق بين الحالتين قد يُقاس بعدد الأرواح التي تم إنقاذها.
ورغم امتلاك العديد من الجهات قدرات متقدمة، من تجهيزات حديثة وكوادر مؤهلة وأنظمة تقنية متطورة، إلا أن ذلك لا يضمن النجاح في أول اختبار حقيقي. فالمشكلة غالبًا لا تكمن في نقص الموارد، بل في غياب الجاهزية التشغيلية. فالقدرات تعني ما تملكه الجهة، بينما الجاهزية تعني ما تستطيع تنفيذه فورًا وتحت الضغط. وفي الأزمات، لا تُقاس القيمة بحجم الإمكانيات، بل بمدى القدرة على توظيفها في اللحظة الحرجة.
التدريب الفعّال بدوره لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يتجاوز ذلك إلى تحويلها إلى سلوك عملي. ففي الظروف الطبيعية يعتمد الإنسان على التحليل والتفكير، أما في الأزمات فيعتمد على ما تدرب عليه مسبقًا. ومن هنا تبرز القاعدة الأهم: الأفراد لا يتصرفون وفق ما يعرفونه، بل وفق ما تدربوا عليه. لذلك تبرز أهمية التمارين الميدانية، والمحاكاة الواقعية، وسيناريوهات الضغط العالي، التي تُعدّ الأفراد للاستجابة التلقائية عند وقوع الحدث.
الجاهزية المسبقة لا تُبنى بشكل عشوائي، بل هي منظومة متكاملة تشمل وضوح الأدوار، ووجود خطط تشغيلية قابلة للتنفيذ، وتكاملًا فعّالًا بين الجهات، واختبارًا مستمرًا للأنظمة والاتصالات. وأي خلل في أحد هذه العناصر ينعكس بشكل مباشر عند أول اختبار حقيقي.
وفي هذا السياق، لا تكتفي المؤسسات المتقدمة بالتدريب عند الحاجة، بل تعمل على ترسيخ ثقافة الجاهزية كنهج دائم. تقوم هذه الثقافة على التدريب المستمر، ومراجعة الأداء بعد كل تمرين، والتعلم من الأخطاء، والتحديث المتواصل للخطط. وعندما تصبح الجاهزية جزءًا من ثقافة المؤسسة، تتحول الاستجابة من مجرد رد فعل إلى أداء احترافي منظم.
في الطوارئ، لا يوجد وقت للتجربة، ولا مجال للارتجال غير المدروس، ولا فرصة للتعلم أثناء الحدث. فكل ثانية تأخير في اتخاذ القرار هي انعكاس مباشر لضعف التدريب أو غيابه.
ختامًا، فإن النجاح في إدارة الطوارئ لا يبدأ عند وقوع الخطر، بل يبدأ قبله بكثير. التدريب ليس عنصرًا ثانويًا، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه كل استجابة فعّالة. ففي الأزمات، لا يرتقي الأداء إلى مستوى الطموح، بل يعود إلى مستوى التدريب



