مقالات

صالح لمعي مصطفى .. ووفاء الأمير سلطان بن سلمان … بقلم محمد بن عبدالله آل شملان

في زمن تتسارع فيه المدن، وتعلو فيه الأبراج، وتُنسى فيه الحكايات القديمة تحت طبقات الإسفلت والحداثة، يظهر رجالٌ نادرون لا يعملون في البناء فقط، بل في حفظ الذاكرة.
رجالٌ يدركون أن الحجر ليس حجراً، وأن الجدار ليس جداراً، بل تاريخ وهوية وروح أمة. ومن هؤلاء القامات الشامخة يبرز اسم الأستاذ الدكتور صالح لمعي مصطفى، المعلّم الكبير، وخبير التراث والآثار، الذي لم يكن عمله مجرد ترميم مبان قديمة، بل كان ترميماً للذاكرة، وإحياءً للروح، وربطاً للماضي بالحاضر.
لم يكن الدكتور صالح لمعي مجرد خبير آثار، بل كان عاشقاً للتراث، مؤمناً بأن الأمم التي لا تحفظ تاريخها، لا تستطيع أن تصنع مستقبلها. ولذلك أفنى سنوات عمره بين المخطوطات، والبيوت الطينية، والمساجد التاريخية، والأسواق القديمة، يرمم حجراً، ويوثق نقشاً، ويعيد الحياة لمكان كاد أن يُنسى.
وقد نشأت بينه وبين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، علاقة فريدة، لم تكن علاقة مسؤول بخبير، ولا علاقة عملٍ بمشروع، بل علاقة قائمة على الاحترام الفكري، والتقدير العلمي، والمحبة الصادقة. فقد جمعهما حب التراث، والإيمان بأن العمارة التاريخية ليست مباني صامتة، بل ذاكرة وطن وهوية شعب.
التقى الدكتور صالح لمعي بالأمير سلطان بن سلمان في محطات عديدة، كان أبرزها خلال مشروع تطوير الدرعية التاريخية، تلك المدينة التي لا تُعد مجرد موقع أثري، بل صفحة من تاريخ الدولة السعودية، حيث كانت المباني الطينية هناك تحكي قصص القرون، وتروي حكايات الرجال الذين صنعوا التاريخ. وهناك كان الدكتور صالح يعمل بعين المؤرخ، وقلب العاشق، ويد الحرفي، ليعيد للمكان روحه قبل أن يعيد له شكله.
كما التقى به في مؤسسة التراث غير الربحية، حيث شارك في تنفيذ العديد من الأعمال المميزة داخل المملكة وخارجها، وكان من أبرزها ترميم وإعادة بناء بيت نخل العذيبات التاريخي، ذلك البيت الذي لم يكن مجرد مبنى قديم، بل شاهدٌ على زمنٍ كامل، وعلى نمط حياة وثقافة وعمران. وقد كان للدكتور صالح بصمته الواضحة في إعادة الحياة لهذا البيت، ليقف من جديد شاهداً على التاريخ بعد أن كان مهدداً بالاندثار.
وتوالت اللقاءات بين العالم والأمير، بين خبير التراث وداعم التراث، بين رجل يحفظ التاريخ، ورجل يؤمن بقيمة التاريخ. حتى كان اللقاء الأجمل، والأكثر استحقاقاً، حين نال الدكتور صالح لمعي جائزة الإنجاز مدى الحياة ضمن جائزة الأمير سلطان بن سلمان للتراث العمراني عام 2022م. ولم تكن تلك الجائزة مجرد تكريم لشخص، بل كانت تكريماً لمسيرة، ولعمر كامل قضاه في خدمة التراث، ولرجل اختار أن يعيش حارساً للذاكرة.
وقد أدركت مؤسسة التراث قيمة هذا الرجل، فوثّقت أعماله في أربعة مجلدات بعنوان ” صالح لمعي مصطفى في أروقة التراث العمراني “، شملت: مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والرياض، والقاهرة. لتكون هذه المجلدات مرجعاً علمياً وتوثيقياً مهماً لكل الباحثين والمهتمين بالتراث العمراني، ولتبقى أعماله علماً يُنتفع به، وأثراً لا يزول برحيل صاحبه.
ولأن العلاقات الحقيقية لا تُقاس بعدد الاجتماعات، بل بالمواقف الإنسانية، فقد تجلّت إنسانية الأمير سلطان بن سلمان ووفاؤه، حين قدّم تعازيه ومواساته للدكتور صالح لمعي في وفاة زوجته ـ رحمها الله ـ ثم عاد فواساه مرة أخرى في وفاة أخيه سعادة السفير أحمد نظمي ـ رحمه الله ـ، وهي مواقف لا تُنسى، لأنها تُظهر أن العلاقة بينهما لم تكن علاقة عمل فقط، بل علاقة تقدير ووفاء وإنسانية.
لقد صدق ابن خلدون حين قال: ” فنّ التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشدّ إليه الركائب والرحال “، فالتاريخ ليس حكايات تُروى فقط، بل هو هوية تُحفظ، وذاكرة تُصان، وجذور يتمسك بها الإنسان حتى لا تقتلعه رياح الزمن.
إن أمثال الدكتور صالح لمعي مصطفى، آثارهم تبقى، والمباني التي رمموها تبقى، والكتب التي كتبوها تبقى، والطلاب الذين علموهم يبقون. يبقى أثرهم في المدن، وفي الجامعات، وفي الكتب، وفي ذاكرة كل من عرف قيمة التراث.
عالم التاريخ جهوده تبقى حية في الوجدان. فالوفاء لأهل العلم ليس كلمات تقال، بل هو حفظ سيرتهم، وذكر أعمالهم.
وفق الله العلماء والمؤرخين الذين حفظوا تاريخنا، ووفق الله من عاش للتراث، ووفق الله من كان وفاؤه بحجم التاريخ الذي خدمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى