
” غيبوبة العيد ” .. بقلم الكاتب والاعلاميه سوزان صالح الشمري
ليس أصعب من لحظةٍ يُغادر فيها الفرح دون استئذان.
بالأمس فقط، كانت البيوت تضجّ بالحياة، وكانت القلوب خفيفة كأنها لا تعرف التعب، وكانت الضحكات أعلى من أي همّ. ثم، في غمضة عين… ينتهي كل شيء. لا مقدمات، لا تمهيد—فقط صمتٌ مفاجئ، يتركك واقفًا في منتصف الشعور، لا أنت في العيد، ولا أنت خارجه تمامًا.
هنا تبدأ “غيبوبة العيد”.
في الأيام الأولى، كان كل شيء نابضًا: رسائل لا تتوقف، ضحكات تتردد في المجالس، روائح القهوة والحلوى تملأ المكان، وقلوب تتسابق نحو الفرح. ثم… فجأة، هدوء غريب. الهاتف يصمت، المجالس تخلو، والوقت يتمدد بشكل ممل.
تفتح عينيك متأخرًا، لا لأنك متعب فقط، بل لأنك لا تجد سببًا للاستيقاظ مبكرًا. تتنقل بين التطبيقات بلا هدف، تراجع صور العيد كأنك تحاول استعادة شعورٍ مضى بسرعة أكبر مما توقعت. تتساءل: هل انتهى كل شيء بهذه السرعة؟
هذه ليست مجرد كسل… إنها حالة نفسية خفيفة، مزيج من الإرهاق بعد الفرح، ومن الحنين اللحظي لما كان قبل أيام فقط. “غيبوبة العيد” هي تلك اللحظة التي تكتشف فيها أن أجمل الأوقات تمر بسرعة، وأن الضجيج حين يختفي، يكشف لنا مدى تعلقنا به.
لكن، هل هي نهاية الحكاية؟ بالتأكيد لا.
في داخل هذه الغيبوبة فرصة خفية. فرصة لإعادة ترتيب الذات، لاستعادة الهدوء، للتأمل في اللحظات التي عشناها بدل أن نطاردها. ربما نحتاج أن نهدأ قليلًا، أن نمنح أنفسنا استراحة حقيقية، لا هروبًا من الفراغ، بل فهمًا له.
يمكنك أن تكسر هذه الحالة بخطوة بسيطة: نزهة قصيرة، لقاء غير مخطط له، أو حتى بداية عادة جديدة. الفكرة ليست في الهروب من “غيبوبة العيد”، بل في تحويلها من نهاية مفاجئة إلى بداية هادئة.
وفي النهاية… لعل “غيبوبة العيد” ليست ضعفًا كما نظن، بل دليلٌ صادق على أننا عشنا الفرح بكل ما نملك. فالقلوب التي تشعر بالفراغ بعد العيد، هي نفسها القلوب التي امتلأت به يومًا.
وما دام فينا هذا الامتلاء… فنحن قادرون دائمًا على أن نصنع عيدًا جديدًا في ابسط التفاصيل



