مقالات

لماذا تجاهل النفيسي “السيناريو الرابع” في خارطة سقوط طهران؟ بقلم الكاتب حمد حسن التميمي

من قال إن مصير المنطقة مرتهن فقط بالسيناريوهات السوداوية التي تملأ الفضاء الإلكتروني؟ اليوم، ومع اشتعال منصات التواصل الاجتماعي بما طرحه الدكتور عبد الله النفيسي من سيناريوهات وصفت بالمرعبة حول مآلات سقوط النظام في طهران، نجد أنفسنا أمام تساؤل يتجاوز الرهبة من المستقبل إلى صناعته. النفيسي وضعنا أمام ثلاثة طرق أحلاها مر؛ من الحرب الأهلية المفتوحة التي تصدر الفوضى لسواحلنا، إلى الزحف الروسي لتأمين مصالح القزوين، وصولاً إلى الانقضاض الأمريكي لإعادة هندسة المنطقة. لكن، وبصفتي مراقباً يقرأ واقع القوة الجديد في منطقتنا، أتساءل بجدية: لماذا غاب “السيناريو الرابع” والأهم عن هذه القراءة؟ السيناريو الذي يُكتب اليوم بأقلام وعقول خليجية، ليثبت أن الخليج اليوم ليس هو خليج الأمس الذي ينتظر أقدار الكبار لتحدد مصيره.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، هي أن الاقتصار على تلك السيناريوهات الثلاثة كقدر محتوم يفترض استسلام الإرادة الخليجية لغبار الفوضى، وهنا يكمن مكمن الخطأ في التقدير الاستراتيجي الذي غفل عنه الكثيرون. ورأيي هنا أننا تجاوزنا مرحلة الارتهان للصدفة أو انتظار شظايا الانفجار لتطرق أبوابنا دون رد فعل استباقي وممنهج. إن السيناريو الرابع الذي أتحدث عنه هو سيناريو السيادة النافذة؛ حيث تمتلك السعودية وقطر وبعض الدول العربية اليوم، بتنسيقهما العميق وثقلهما العالمي، من أدوات الردع ما يمكنهما من تحويل فوضى السقوط إلى فرصة للضبط الاستراتيجي وإدارة الفراغ لصالح أمننا القومي، بعيداً عن حسابات واشنطن المتقلبة أو أطماع موسكو التوسعية.
المفارقة التي تغيب عن قراءات سيناريوهات الرعب المتداولة، هي أن القوة الخليجية اليوم لم تعد مجرد رد فعل دفاعي يخشى التقلبات، بل أصبحت هي صانعة الفعل الميداني. في السيناريو الرابع، نحن لسنا بصدد انتظار زحف الخصوم أو مقامرة الحلفاء؛ بل نحن أمام واقع قد يفرض فيه القرار الخليجي المستقل قواعد اشتباك جديدة تضمن استقرار الممرات المائية وتمنع تحول الجار الجغرافي إلى بؤرة استنزاف تهدد مشاريعنا الكبرى. السيادة الحقيقية هي التي تمنع القوى الدولية من العبث في ساحتنا الخلفية تحت ذريعة ملء الفراغ، فنحن أدرى بجغرافيتنا وأقدر على حمايتها بقرارنا السيادي الصرف الذي لا يقبل الإملاءات من أي جهة كانت.
أتنبأ بأن المرحلة القادمة ستكشف عن عقيدة أمنية خليجية تتجاوز كل الصيغ التقليدية التي ألفها المحللون لعقود، لتثبت أن اليقين الخليجي قادر على لجم أي فوضى قادمة من الشرق قبل أن تستفحل. من يسبق لاستيعاب أن قوة منطقتنا تكمن في سيادة قرارها لا في انتظار رحمة الآخرين، سيكون هو الناجي الوحيد من طوفان التحولات القادمة. إننا أمام اختبار للهيبة، والرد الخليجي على أي اهتزاز في الضفة المقابلة يجب أن يكون بإنشاء حزام سيادة يجعل من سواحلنا حصناً منيعاً، ومن قراراتنا بوصلة للعالم المرتجف، غصباً عن كل السيناريوهات التي تحاول تصويرنا كضحايا دائمين لتقلبات الجغرافيا السياسية.
في النهاية، يا صديقي، إن كرامة الأرض لا تُصان بالخوف من غد مجهول، بل بالاستعداد له بقلب جسور وعقل بارد يقرأ ما وراء الخبر. إن السيناريو الرابع هو الرد الحقيقي على كل من يراهن على انكسارنا أو غرقنا في الفوضى المجاورة، وهو ما فات الكثيرين إدراكه. نحن لا ننتظر سقوط أحد لننتصر، ولكننا مستعدون لكل الاحتمالات كلاعبين أساسيين يكتبون الخارطة بمداد من العزة والمنعة. تذكر دائماً أن القوة الحقيقية هي تلك التي تمنع الكارثة قبل وقوعها، ومن يمسك بزمام المبادرة السيادية في خليجنا اليوم، هو وحده من سيقود المنطقة لبر الأمان، ويجبر العالم على احترام أرض لم تعد تقبل بأن تكون ساحة لتجارب الآخرين الفاشلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى