
لماذا يهرب منك ما تطارده .. “مفارقة ييل” التي ستكشف لك سر الوصولحمد حسن التميمي
في زحام الأيام التي نقضيها في الركض خلف أهدافنا، قد نتوقف فجأة لنسأل: لماذا تبتعد القمة كلما اقتربنا منها؟ ولماذا تأتي أجمل فرص الحياة في اللحظة التي نتوقف فيها تماماً عن “المحاولة”؟ نحن نعيش في ثقافة عالمية تقدس “الجهد الشاق” وتعتبر العناد والمطاردة المستمرة هما المفتاح الوحيد للنجاح. لكن في مختبرات جامعة “ييل” العريقة، وبينما كان علماء النفس يدرسون سيكولوجية الإنجاز، توصلوا إلى حقيقة مذهلة تقلب الموازين وتسمى “قانون الجهد المعكوس”؛ وهي أن الإفراط في التركيز على النتيجة يخلق توتراً داخلياً يعمل كحاجز نفسي يمنع حدوث ما نتمناه.
هذا الاكتشاف يضعنا أمام مواجهة صادقة مع مفهومنا التقليدي عن التنمية الذاتية. إننا لا نحتاج دائماً إلى “إضافة” المزيد من المهام، بل نحتاج إلى تعلم فن “السماح”. التنمية الحقيقية ليست معركة مع الزمن، وليست سباقاً لمن يلهث أكثر، بل هي حالة من الاتزان الداخلي. حين تطارد هدفاً بدافع “الاحتياج” أو “الخوف من الفوات”، فإنك ترسل للعالم إشارة بأنك “تفتقر” إليه، وهذا الشعور بالنقص هو ما يجعلك تدور في حلقات مفرغة. السر الذي تغفله كتب الإرشاد التقليدية هو أن النجاح ليس صيداً تطارده في الغابة، بل هو “حديقة” تهيئ لها التربة والظروف النفسية السليمة، فتأتيك الفرص كالفراشات من تلقاء نفسها.
إن إعادة بناء علاقتنا بمركز القوة داخلنا تبدأ بخطوة عملية صادمة: أن نتوقف عن خنق أحلامنا بقبضتنا القوية. الإنسان الذي يثق في مساره لا يحتاج للركض بعشوائية؛ هو يتحرك بوعي، ويعرف أن “البطء” في أوقات معينة هو أقصر طريق للوصول. حين نتوقف عن القلق المفرط بشأن “كيف ومتى سأصل؟”، يبدأ العقل في الانفتاح على حلول إبداعية لم تكن مرئية من قبل تحت وطأة التوتر. القوة الحقيقية تكمن في القدرة على البقاء ساكناً في عالم لا يتوقف عن الصراخ، وفي الإيمان بأن ما هو لك سيجد طريقه إليك بمجرد أن تصبح أنت مستعداً لاستقباله.
وإذا نظرنا إلى ملامح المستقبل الذي يتشكل الآن، سنجد أن معايير القيمة البشرية ستنتقل من “الكدح البدني” إلى “الحضور الذهني”. في عالم سيسيطر فيه الذكاء الاصطناعي على العمليات الروتينية، لن ينجح من يعمل لساعات أطول، بل من يملك “صفاءً داخلياً” يمكنه من اتخاذ قرار واحد صحيح في لحظة سكون. أتنبأ بأننا سنشهد ولادة جيل من القادة والملهمين الذين يقيسون نجاحهم بمدى “السلام النفسي” الذي يتمتعون به، لا بعدد الساعات التي قضوها في المكتب. ستصبح القدرة على “الفصل” عن ضجيج التكنولوجيا والاتصال بالذات هي الرفاهية الجديدة، وسيكون “الهدوء” هو العملة الأغلى في اقتصاد المستقبل.
في النهاية، التنمية الذاتية ليست قائمة مشتريات نسعى لإكمالها، بل هي رحلة تصفية لجوهرنا الإنساني من زوائد القلق والتوتر. إن أعظم ما نملكه ليس ما ننجزه تحت الضغط، بل ما نعيشه بصدق وتجرد. دراسة “ييل” لم تكن دعوة للتكاسل، بل كانت تذكيراً بأن الإنسان لا يُقاس بمدى كفاحه ضد أمواج الحياة، بل بمدى براعته في الإبحار معها. وحين تدرك ذلك، ستكتشف أنك لست بحاجة لمطاردة النجاح، لأنك حين تصبح “أنت” بكل صدقك وهدوئك، سيصبح النجاح هو من يطاردك.



