مقالات

22 فبراير… ذكرى قائد ألهم العالم بقيم الكشفية .. بقلم الكاتب مبارك بن عوض الدوسري

في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، يستحضر الفتية والشباب من الكشافة في مختلف أنحاء العالم سيرة مؤسس الحركة الكشفية روبرت ستيفنسون سميث بادن باول، في مناسبة عالمية تتجاوز إطار الاحتفال الرمزي إلى مساحة أوسع من التأمل في فلسفة تربوية وإنسانية تركت بصمتها العميقة على أجيال متعاقبة.
لم يكن بادن باول مجرد اسمٍ في صفحات التاريخ، بل صاحب رؤية أعادت تعريف العلاقة بين الشباب والمجتمع. فمنذ نشأته في لندن عام 1857، بدت ملامح شخصيته ميّالة إلى الطبيعة والمغامرة والانضباط. وخلال خدمته العسكرية، صقل مهارات القيادة والاستطلاع، غير أن التحول الأهم في مسيرته جاء من ملاحظته لقدرات الفتية على تحمل المسؤولية متى ما أُتيحت لهم الثقة والتوجيه السليم.
هذا الإدراك قاده إلى تحويل خبراته إلى مشروع تربوي مدني؛ ففي عام 1907، أقام مخيمه التجريبي في جزيرة براونسي، في تجربة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها، جمعت فتياناً من خلفيات اجتماعية متعددة، وأثبتت أن الكشفية يمكن أن تكون منصة لتوحيد المجتمع وبناء الشخصية؛ ثم جاء كتاب الكشفية للفتيان ليؤسس لحركة شبابية عالمية امتدت عبر القارات والثقافات.
ارتكزت هذه الفلسفة على مبادئ واضحة وبسيطة: نظام الطلائع الذي ينمّي القيادة وروح الفريق، والطبيعة بوصفها فضاءً تربوياً مفتوحاً، والوعد والقانون الكشفي باعتبارهما مرجعية أخلاقية تُعزز الصدق، وتحمل المسؤولية، وخدمة الآخرين؛ وهي مبادئ لم تفقد راهنتيها، لأنها تنطلق من فهمٍ عميق لطبيعة الإنسان وحاجته إلى القيم والمعنى والانتماء.
وقبل رحيله، لخّص بادن باول رسالته بكلمات أصبحت مرجعاً أخلاقياً للحركة الكشفية: أن يسعى الإنسان لترك العالم أفضل مما وجده؛ لم تكن تلك العبارة مجرد وصية، بل رؤية عملية تتجسد اليوم في آلاف المبادرات التطوعية والإنسانية والتنموية التي يقودها الكشافة حول العالم، في ميادين البيئة، والإغاثة، والتنمية المجتمعية، وتعزيز ثقافة السلام.
إن استذكار هذه الذكرى السنوية لا يرتبط بالماضي بقدر ما يتصل بالحاضر والمستقبل؛ فهو تذكير بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان، وأن القيم ليست مفاهيم نظرية، بل ممارسة يومية، وأن الشباب – كما آمن مؤسس الكشفية – يمثلون طاقة البناء والتجديد وصناعة الأثر.
وهكذا، تبقى هذه المناسبة العالمية محطةً تتجدد فيها المعاني الكبرى للكشفية: خدمة، وانتماء، ومسؤولية، وسعيٌ دائم نحو عالمٍ أكثر تعاوناً وسلاماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى