
“على سفرة الإفطار يجلس الغياب معنا ” للكاتب سعود السحيمي
في أول أيام رمضان حين نفرش السفرة ويجتمع الأحبة وتتجاور الأيادي قبل الأطباق…يحدث شئ لا يرى لكنه يشعر.
ثمة أماكن ممتلئة بالغياب وثمة أسماءٌ لا تنادى لكنها حاضرة في القلب أكثر من الجالسين.
رمضان لا يجمعنا فقط بمن حولنا انما يعيد إلينا من فقدناهم. كأن الهلال حين يولد يوقظ فينا وجوها كانت تضئ موائدنا. وأصواتا كانت تبدأ بالدعاء قبل الأذان. وضحكات كانت تسبق الأكل.
في أول رشفة ماء بعد العطش نتذكر من كانوا يقولون: ( الحمد لله الذي أحيانا.). في أول لقمة
نتذكر من كانت أيديهم تمتد لتقرب الصحون قبل أن تأكل. يا له من شعور موجع جميل عظيم.
الذكرى في رمضان ليست ضعفا هي وفاء، هي صلاة أخرى بلا سجاد. هي دعاء يرتفع من قلب يعرف أن الفقد لا يعوض لكنه يروى.
نفتقدهم نعم لكننا لا ننهار لأننا نعرف أن بيننا وبينهم خيطا لا يقطع: دعاء في جوف الليل وصدقةٌ تسقى بها قبورهم نورًا. واستغفار يكتب في صحائفهم رحمة.
رمضان يعلمنا أن الفراق ليس نهاية الحكاية انما انتقال من مجلس الأرض إلى مجلس السماء.
حين نرفع أيدينا قبل الإفطار لا ندعو لأنفسنا فقط انما ندخل أسماءهم في الدعاء كما كانوا يدخلوننا في قلوبهم.
نقول: اللهم اجعل قبورهم روضة من رياض الجنة. اللهم اجمعنا بهم في موائد لا يغيب عنها أحد ولا يفقد فيها حبيب.
وفي تلك اللحظة نهدأ لأننا أدركنا أن الصبر ليس أن ننسى. انما أن نحول الحنين إلى عبادة والدمعة إلى أجر والذكرى إلى نور.
أول أيام رمضان…
ليست بداية صيام فقط انما بداية صلة أعمق مع من فقدناهم ومع الله الذي بيده اللقاء بعد الفراق.



