
“الكرسي الفارغ… ذاكرة الحضور الغائب”
في كل مناسبة، وبين المقاعد المزدحمة بالوجوه والأحاديث، يظل هناك كرسي فارغ يجذب الانتباه أكثر من كل الجالسين. مقعد بلا صاحب، لكنه يفرض حضوره بصمته، ويحوّل الغياب إلى لغة أبلغ من أي خطاب.
ذاكرة تُقيم في الفراغ
ذلك الكرسي لا يبدو جامدًا كما يُظن، بل يحمل في طياته قصة غائبٍ ما زال حاضرًا في وجدان من حوله. ربما كان مسافرًا، أو رحل بلا عودة، أو حال بينه وبين المجلس عذر لم يُفصح عنه. لكنه مهما اختلف السبب، يبقى مقعده شاهدًا أن الغياب أحيانًا أعمق من الحضور.
حين يتحدث الصمت
الكرسي الفارغ يفتح الأبواب لدفاتر الذكريات. يذكّرنا بضحكة لم تكتمل، وبخطوة كانت مألوفة، وبعينين اعتاد الجميع رؤيتهما في ذاك المكان. ليس مجرد فراغ في الصف أو مقعد عابر، بل مساحة يمتلئ بها الغائب بروحه، فتتردد في القلوب أصداء صمته أكثر من كلمات الحاضرين.
أثر لا يُمحى
في الأفراح، يُلقي الكرسي الفارغ بظلاله على البهجة، وفي مجالس العزاء يضيف إلى الحزن عمقًا آخر. حتى في البيت، يكفي أن يظل مقعد الطعام بلا أحد ليشعر الجميع أن المكان ينقصه قلب. نحن نعتقد أن وجودنا يُقاس بحضورنا الجسدي، لكن الكراسي الفارغة تذكّرنا أن الأثر الحقيقي هو ما يبقى بعد أن نغيب.
نحن كراسي في حياة الآخرين
كل إنسانٍ كرسي في حياة غيره. يأنسون به حين يحضر، ويفتقدونه حين يغيب. وحين تُترك مقاعدنا شاغرة، يبقى السؤال: هل نترك فراغًا موجعًا، أم ذكرى تُضيء القلوب؟
ما بعد الغياب
الكرسي الفارغ ليس نهاية، بل وصية صامتة تقول: العمر قصير، لكن الأثر باقٍ. قيمتنا لا تُقاس بمدة جلوسنا على مقاعد الدنيا، بل بما نتركه خلفنا من حضور جميل يظل حيًّا حتى ونحن غائبون.



