
“سد بيش” … من إدارة الخطر إلى استعادة التوازن الزراعي ….. بقلم الزاهد النعمي
في وعي أبناء محافظتي بيش وصبيا، لم يكن وادي بيش مجرد مجرىٍ موسميٍّ للسيول، بل كان حضورًا دائمًا في الذاكرة والوجدان، وشريكًا صامتًا في تشكيل الإنسان والمكان. فعلى ضفافه استقرت القرى، ومن إيقاعه تشكّلت أنماط العيش، ومع تقلباته تعلّم الناس معنى الانتظار والصبر، ومع عطاياه أدركوا قيمة الأرض، ومع مخاطره عرفوا حدود القوة البشرية أمام سنن الطبيعة. كان الوادي جزءًا من الحياة اليومية، لا يُنظر إليه باعتباره خطرًا أو موردًا فحسب، بل ككائنٍ حيٍّ تُفهم لغته ويُتعايش مع طباعه.
وعبر القرون، نسج الوادي علاقةً حميمة مع الإنسان، علاقة لم تُبنَ على منطق السيطرة، بل على الفهم والتكيّف. فمن طميه استمدّت الأرض خصوبتها، ومن مياهه وُلدت الحقول، وحوله تشكّلت هوية زراعية واقتصادية لم تكن مجرد نشاط إنتاجي، بل نمط حياة متكامل. وكان الوادي، في جوهره، مدرسةً طبيعية علّمت أبناء المنطقة التوازن الدقيق بين الخصب والخطر، وبين العطاء والفقد.
وفي مرحلة لاحقة، ونتيجة أخطاء متراكمة اشتركت فيها الممارسات الفردية وبعض أوجه القصور في التخطيط، جاء إنشاء سد وادي بيش استجابةً لحاجةٍ ملحّة ومشروعة، تمثلت في حماية الأرواح والممتلكات من أخطار السيول، وتأمين موردٍ مستدام لمياه الشرب لسكان منطقتي عسير وجازان، مدنًا وقرى. وقد نجح السد في تحقيق هذه الغاية، وأسهم بفاعلية في تقليل المخاطر التي كانت تهدد التجمعات السكانية.
غير أن الإشكالية لم تكن في مبدأ إنشاء السد، بل في كيفية إدارة منظومته لاحقًا، حين غاب – أو تراجع – البعد الزراعي في معادلة توزيع المياه. فقد شكّلت مياه وادي بيش تاريخيًا المصدر الرئيس لري مزارع الوادي، سواء عبر الري بالغمر أو من خلال تغذية المياه الجوفية، كما أسهم طمي السيول المتراكم عبر العصور في تكوين تربة عالية الخصوبة، منحت المنطقة تنوعًا زراعيًا مميزًا، لا سيما في المحاصيل البعلية والفواكه الاستوائية.
إلا أن التحكم الصارم في تدفقات المياه بعد إقامة السد، دون وجود تعويضٍ زراعي منظم، أدى إلى حرمان الأراضي الواقعة أسفل السد من حصتها الطبيعية، وانعكس ذلك سلبًا على مستوى الإنتاج الزراعي، وأثقل كاهل المزارعين اقتصاديًا ونفسيًا. وتزامن هذا الواقع مع تحولٍ تدريجي في نمط الزراعة، حيث اتجه عدد متزايد من المزارعين إلى الزراعة الحديثة المعتمدة على الآبار الارتوازية، في حين بقيت المزارع التقليدية قائمة على الري بالغمر. ورغم ما يحمله هذا التحول من مظاهر تحديث، إلا أنه زاد الضغط على المخزون الجوفي، مع تراجع التغذية الطبيعية للمياه.
وقد نتج عن ذلك انخفاض منسوب المياه الجوفية، وتراجع خصوبة التربة، وارتفاع الاعتماد على الأسمدة والمواد الكيماوية، إضافة إلى تنامي معدلات الملوحة والتصحر. وانعكس هذا الواقع مباشرة على أوضاع المزارعين، فتراجعت الجدوى الاقتصادية للزراعة لدى كثيرين، وأحجم بعضهم عن الاستمرار، بينما حاول آخرون الصمود بوسائل مكلفة وغير مستدامة.
ولم تتوقف الآثار عند هذا الحد؛ إذ تآكل الغطاء النباتي الطبيعي على جانبي مجرى الوادي، وبرز انتشار شجر السَّلَم الأمريكي الدخيل، بما يحمله من أثرٍ سلبي على التوازن البيئي، واستنزافٍ إضافي للمياه الجوفية. ومع استمرار هذا المسار، باتت الميزة النسبية الزراعية لوادي بيش مهددة، ليس فقط من زاوية الإنتاج، بل من حيث الاستدامة البيئية والاقتصادية على المدى المتوسط والطويل.
إن جوهر القضية اليوم لا يتمثل في المفاضلة بين الحماية والزراعة، بل في إعادة بناء التوازن بينهما. فإدارة السد بوصفه أداةً للحماية فقط، دون إدماج دوره الزراعي، تفضي إلى كلفة تنموية مؤجلة. أما إدارته ضمن رؤية شاملة، تراعي الحماية، ومياه الشرب، والري الزراعي بوصفها منظومة واحدة متكاملة، فهي السبيل الأمثل لاستدامة المورد وحماية الإنسان والأرض معًا.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنظيم فتح مياه السد وفق جدولٍ زمني واضح، ولا سيما خلال مواسم الري، بما يسهم في إعادة جزءٍ من الدورة الطبيعية للوادي، وتعزيز تغذية المياه الجوفية، إلى جانب اعتماد مشاريع قنوات ري حديثة ترفع كفاءة التوزيع وتحد من الهدر. كما لا يقل أهمية عن ذلك الاستثمار في الإنسان، عبر تطوير قدرات المزارعين، ودعم المشاريع الزراعية التشاركية، وتشجيع دمج الملكيات الصغيرة، وإنشاء جمعيات زراعية متخصصة تُعنى بالتنظيم والتسويق ونقل المعرفة.
إن وادي بيش اليوم يقف عند مفترق طرق: إما استمرار إدارة جزئية تركز على درء الخطر وتغفل التنمية الزراعية، أو انتقال واعٍ نحو إدارة متكاملة تُنصف التاريخ، وتحمي الحاضر، وتؤمّن المستقبل. فحين يُدار الوادي بعقلية التكامل لا التجزئة، يمكن له أن يستعيد دوره بوصفه موردًا استراتيجيًا، ونموذجًا وطنيًا للتنمية الزراعية المستدامة.



