
ميزان العمل وحتمية المصير.. قراءة في فلسفة الوجود الإنساني
يقول الشاعر في أبياتٍ تختصر رحلة الوجود الإنساني من المهد إلى اللحد:
نأتي إلى الدنيا ونحن سواسية .. طفل الملوك هنا كطفل الحاشية ونغادر الدنيا ونحن كما ترى .. متشابهون على قبور حافية أعمالنا تعلي وتخفض شأننا .. وحسابنا بالحق يوم الغاشية حور وأنهار قصور عالية .. وجهنم تصلى ونار حامية فاختر لنفسك ما تحب وتبتغي .. ما دام يومك والليالي باقية وغداً مصيرك لا تراجع بعده .. إما جنان الخلد وإما الهاوية
بهذه الكلمات البليغة، يُلخص النص حقيقة كبرى؛ فالحياة تبدأ بصرخة ميلاد متطابقة، لا فرق فيها بين من وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب ومن وُلد في كنف الحاجة، فالمساواة هي الواقع القدري الذي يرافق أول أنفاسنا. وكما كانت البداية متطابقة، تأتي النهاية لتؤكد الحقيقة ذاتها؛ فالتراب لا يفرق بين الأجساد، والقبور تضُم الجميع دون تمييز لمكانة أو منصب.
وإذا كانت البدايات والنهايات متساوية في ميزان الخلق، فإن ما يملأ الفراغ بينهما هو “العمل”؛ فهو الميزان الوحيد الذي يصنع الفارق الحقيقي. فالمكانة لا تُقاس بما يملك المرء من حُطام الدنيا، بل بما قدمه من نفع وأثر باقٍ، كما ورد في قوله: “أعمالنا تُعلي وتخفض شأننا”.
وفي ظل ما نعيشه اليوم من نهضة وتطور في وطننا الغالي، نجد هذا المفهوم يتجسد واقعاً في تقدير الإنجاز والإخلاص في العطاء، وهو ما تحرص عليه الدولة دائماً برعاية وتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله؛ حيث أصبح العمل الدؤوب والمواطنة الصالحة هما معيار الرفعة والارتقاء في مسيرة بناء المستقبل، وهي رؤية وطنية تعزز قيمة الفرد بناءً على عطائه وتفانيه في خدمة دينه ووطنه.
إن هذا النص ينقلنا في جوهره إلى مربع المسؤولية الفردية؛ فالحياة فرصة عظيمة للاختيار، وكل يوم يشرق هو صفحة جديدة في كتاب المصير. فالجنة بنعيمها، والنار بلهيبها، ليست مجرد وعيد أو وعد، بل هي “حصاد” لما زرعته يدا الإنسان. ولذلك تأتي الدعوة صريحة ومباشرة: “فاختر لنفسك ما تحب وتبتغي.. ما دام يومك والليالي باقية”.
فالفرصة لا تزال قائمة ما دام النبض مستمراً، والرحيل غداً هو مصير حتمي لا تراجع بعده، ليصبح المستقر النهائي ثمرة لهذا السعي. إن عظمة الإنسان تكمن في نهاية المطاف في نقاء عمله لا في بريق لقبه، وفيما يتركه من أثر طيب ينفع به نفسه ومجتمعه.



