مقالات

التغطية الإعلامية بين المهنة والادّعاء

في زمن السرعة وكثرة المنصات، أصبح مفهوم “التغطية الإعلامية” عُرضة للتشويش، ووقع كثير من الناس في خلطٍ كبير بين التوثيق اللحظي وبين العمل الإعلامي المهني. فبمجرد أن يحضر أحدهم فعالية ويبدأ بالتصوير أو البث المباشر عبر الجوال، يعتبر نفسه قد قام بـ”تغطية إعلامية”، بينما في الواقع ما فعله لا يمت للإعلام بصلة سوى في التسمية.

التغطية الإعلامية الحقيقية ليست مجرد حضور ولا توثيق مشهد، بل هي مسؤولية تبدأ بفهم طبيعة الحدث، ثم معالجته بمهنية عالية، تُراعي ما يجب أن يُقال، وكيف يُقال، ولمن يُقال. الإعلامي لا يذهب ليُظهر نفسه، بل ليُظهر الصورة الكاملة للحدث، بما فيه من أبعاد مجتمعية، ورؤية تنظيمية، ورسائل تستحق أن تصل.

ما يحدث اليوم في كثير من الفعاليات، وللأسف تحت لافتة “التغطية”، هو أقرب لأن يكون استهلاكًا لحظيًا للمحتوى، أو مشاركة اجتماعية أكثر من كونه عملًا إعلاميًا. فأن تحمل كاميرتك أو جوالك وتلتقط صورًا، أو تعلق بانطباع شخصي، أو تُبثّ مشهدًا عامًا للفعالية، لا يعني أنك قدمت تغطية إعلامية. الإعلام يُبنى على النص المحرر، والصياغة الدقيقة، والرؤية المهنية التي تنقل المعلومة وتحترم عقل المتلقي. أما التوثيق العشوائي أو الحضور من أجل الظهور، فلا يُنتج إعلامًا، بل يُنتج ضوضاء تذوب فور انتهاء الحدث.

المشكلة ليست في الأدوات، فكلنا اليوم نملك القدرة على التصوير والنشر، لكن الفارق الحقيقي هو في “النية” و”الوعي” و”الهدف”. الإعلامي يُسائل، يُحلل، يُنقل، ويُقدّر المحتوى الذي بين يديه. أما من يمارس التصوير فقط من أجل التواجد، فهو قد ينجح في التفاعل اللحظي، لكنه لا يترك أثرًا، ولا يصنع محتوى يمكن الرجوع إليه.

للأسف، هناك مَن يعتقد أن سناب شات أو إنستغرام أو تيك توك هي منصات تغني عن الصحافة، وأن عدد المشاهدات معيار كافٍ لتقييم التغطية. والحقيقة أن الإعلام لا يُقاس بالمشاهدات، بل يُقاس بقيمة ما قُدّم، وبمدى بقاء الأثر بعد انتهاء الفعالية. فالمحتوى المهني يُؤرَّخ ويُبنى عليه، أما المحتوى السريع فيُستهلك وينتهي.

ما نحتاجه اليوم ليس مجرد تغطية للحدث، بل تغطية واعية تصنع فرقًا، وتُشعر القارئ أو المشاهد أن خلف الكلمة عقلًا يحلل، وخلف الصورة عينًا تفهم، وخلف التقرير ضميرًا يحترم. الإعلامي الحقيقي لا يكتفي بالحضور، بل يُتقن الغياب عن الصورة حين تكون الكلمة أبلغ من الظهور.

لهذا، لا بد أن نُعيد الاعتبار للمهنة، ونُميّز بين من يُمارس الإعلام، ومن يستهلك أدواته. الإعلام مسؤولية، والتغطية رسالة، والمحتوى الذي لا يحمل فكرًا أو معنى، لا يُعد إعلامًا حتى لو التُقط من قلب الحدث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى