
اتّقِ شرَّ من أحسنتَ إليه ،فليس كل من سقيته كان ممتنًّا، ولا كل من مددت له يد الخير قابلها بسلام.
قد تصادف أحيانًا بعض الشخصيات في حياتنا اليومية، أو على الصعيد العلمي والعملي، عقليات يمكن تصنيفها ضمن ما يُعرف بـ العقلية الرمادية؛ وهي أنماط فكرية تتبنى استراتيجية خاصة، تجعلها ترى نفسها استثناءً عن السياق العام، وكأن المجتمع بمختلف دوائره لا يملك الأدوات الكافية لاستيعابها أو مجاراتها.
يعتقد صاحب هذه العقلية – دون أن يصرّح – أن فهمه أعمق، ووعيه أرقى، وتجربته أصدق من الجميع. لا يناقش ليصل إلى الحقيقة، بل ليؤكد تفوقه، ولا يستمع ليفهم، بل ليلتقط ثغرة يثبت من خلالها أنه كان على حق منذ البداية.
يعتمد هذا النمط على صورة ذاتية مصقولة ظاهريًا، لكنها هشة في العمق؛ يحتاج دومًا إلى الإعجاب والتقدير، حتى وإن جاء ذلك على حساب التقليل من الآخرين. يبرع في تحويل أي إنجاز جماعي إلى مجد شخصي، وأي اختلاف في الرأي إلى تهديد مباشر لصورته الذهنية.
يعيش غالبًا تحت قناعة أن الضوء مسلط عليه، وأنه القائد بطبيعته. قد يبدو هادئًا، عقلانيًا، أو حتى مثقفًا، إلا أن سلوكه يكشف لغة خفية تتجلى في التهميش غير المعلن، والبرود الانتقائي، وغياب الاعتراف بالخطأ.
تكمن خطورة هذا النمط في أنه لا يبدو مؤذيًا من الوهلة الأولى، لكنه مع الوقت يستنزف الطاقة النفسية لمن حوله، يزرع الشك، ويُربك الثقة، ويجعل الآخر يشك في قيمته وحدسه.
إن التعامل مع الشخص الرمادي لا يحتاج إلى مواجهة مباشرة بقدر ما يحتاج وعيًا وحدودًا واضحة. ففهم هذا النمط يحررنا من الوقوع في فخ التبرير أو جلد الذات، ويعيد ترتيب الأدوار إلى مكانها الطبيعي:
لا أحد محور الكون، ولا أحد أقل قيمة من أن يُرى.
ففي النهاية، الإنسان السوي لا يحتاج أن يطفئ نور غيره ليشعر بالسطوع.
ومهما حاولت أن تُحسن منه، فقد تجني على نفسك… فـ اتّقِ شرَّ من أحسنتَ إليه.



