
(العطاء حين يصبح وعي وطنياً)
الإنسان أولًا… والأثر هو البوصلة
اعداد وحوار | الإعلامي هاني الجهني
في المملكة العربية السعودية، لم يعد العمل الإنساني فعلًا طوعيًا عابرًا، ولا نشاطًا مرتبطًا بالمواسم، بل أصبح جزءًا من رؤية وطنية شاملة ترى في الإنسان جوهر التنمية، وفي الأثر معيارًا حقيقيًا للنجاح.
هذا الحوار لا يهدف إلى استعراض تجربة، ولا إلى التوقف عند الأسماء، بل يسعى إلى الاقتراب من الفكرة ذاتها:
كيف يتحوّل العطاء إلى وعي؟
وكيف يصبح العمل الإنساني امتدادًا طبيعيًا لقيم وطن يضع الإنسان أولًا؟
نلتقي بصاحبة السمو الملكي الأميرة الدكتورة أضواء بنت فهد بن سعد بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود في حوار مكتوب، عميق وصريح، عن المسؤولية، وعن الأثر، وعن الوطن حين يُنتج الخير كنهج لا كاستثناء.
من هي أضواء اليوم؟ وكيف تُعرّف نفسها حين يكون الإنسان هو العنوان الأول؟
أنا ابنة هذا الوطن، وجزء من نسيجه الطموح. أضواء اليوم هي حصاد تجارب، ومحاولات مستمرة للتعلم. أُعرّف نفسي ببساطة كـ “طالبة في مدرسة العطاء”؛ أؤمن أن قيمتنا الحقيقية لا تُقاس بما نملك، بل بما نتركه من أثر في حياة الآخرين. الإنسان عندي هو الغاية، وخدمته هي التكليف الذي أتشرف بحمله.
■ هل ترين أن العمل الإنساني لم يعد خيارًا شخصيًا، بل مسؤولية مجتمعية؟
بكل تأكيد. نحن نعيش في عصر “رؤية السعودية 2030” التي نقلت العمل الإنساني من حيز “الاجتهاد الفردي” إلى حيز “المأسسة والاستدامة”. العطاء اليوم هو واجب وطني؛ لأن تنمية الإنسان هي الركيزة الأساسية لازدهار الوطن، ولا يمكن لمجتمع أن ينهض دون تكاتف أفراده ومؤسساته لتحقيق الرفاه الشامل.
■ مبادرة «أضواء الخير»، هل انطلقت من تجربة ذاتية أم من احتياج اجتماعي؟
هي مزيج بين الاثنين. ولدت من إيمان ذاتي بأن الخير كامن فينا جميعًا ويحتاج فقط لمسار منظم، ولكنها تبلورت بناءً على قراءة دقيقة للواقع. “أضواء الخير” جاءت لتسد ثغرة، ولتكون جسرًا يربط بين القدرة والاحتياج، محولةً العمل الخيري من مجرد مساعدات آنية إلى تمكين حقيقي يغير مجرى حياة الأفراد.
■ ما الفرق الجوهري بين مبادرة تؤدي دورًا ومبادرة تصنع تغييرًا؟
المبادرة التي تؤدي دورًا هي التي تعالج “الأعراض”، أما المبادرة التي تصنع تغييرًا فهي التي تعالج “الجذور”. التغيير يكمن في الاستدامة والأثر المتراكم؛ المبادرة الحقيقية هي التي لا تنتهي بانتهاء تقديم الخدمة، بل التي تترك خلفها إنسانًا قادرًا على الاعتماد على نفسه، وتخلق وعيًا مجتمعيًا جديدًا.
■ هل مرّت عليك لحظة شعرتِ فيها أن حجم الاحتياج أكبر من أي جهد فردي؟ وكيف واجهتِ ذلك؟
نعم، وهذا شعور طبيعي يواجه كل من يعمل في الميدان الإنساني. لكنني تعلمت أن “قليلٌ دائم خير من كثير منقطع”. الحل ليس في الإحباط، بل في “التشارك”. حين نشعر بضخامة الاحتياج، علينا أن نتحول من العمل المنفرد إلى العمل الجماعي المؤسسي، فما يعجز عنه الفرد، يحققه الوطن بتكاتفه.
■ كيف تقرأين تمكين المرأة السعودية اليوم كشريك في صناعة الأثر؟
المرأة السعودية اليوم لا تنتظر التمكين، بل هي مُمكنة بطبيعتها وبدعم من قيادتنا الرشيدة. أراها اليوم هي المحرك الأساسي لقطاع التنمية الاجتماعية؛ فهي تمتلك ذكاءً عاطفيًا وقدرة على التنظيم تجعل أثرها في العمل الإنساني عميقًا وملموسًا. الوطن اليوم لا يعوّل عليها فحسب، بل هي في قلب معادلة النجاح.
■ هل يزعجك اختزال العمل الإنساني في صورة؟ وكيف نبني الوعي بالعطاء؟
ما يزعجني ليس الصورة كأداة، بل “ثقافة الاستعراض” على حساب الجوهر. الصورة يجب أن تكون لتوثيق النجاح وتحفيز الآخرين، لا للمباهاة. إعادة بناء الوعي تبدأ من التعليم والقدوة؛ بأن نرسخ فكرة أن العطاء سلوك يومي وليس مشهدًا عابرًا، وأن الأثر الحقيقي هو ما يبقى في القلوب لا في ذاكرة الهواتف.
■ ما التحدي الأبرز الذي يواجه العمل الإنساني اليوم؟
التحدي الأكبر ليس في نقص الموارد، فبلدنا بلد خير، بل هو في “ثقافة الاستدامة وادارة الأثر”. نحن بحاجة إلى تحويل العمل الإنساني إلى قطاع احترافي يُدار بعقلية اقتصادية وتنموية، تضمن أن كل ريال يُصرف يحقق أقصى فائدة ممكنة على المدى الطويل.
■ كيف تكون المبادرات جزءًا من التنمية دون أن تفقد بُعدها الإنساني؟
بأن تظل “الروح” هي المحرك والأنظمة هي الموجه. العمل المؤسسي ينظم الجهد ويضمن العدالة، لكن اللمسة الإنسانية هي التي تعطي للعمل معناه. السر يكمن في التوازن؛ مأسسة الإجراءات مع الحفاظ على دفء التعامل وتقدير كرامة الإنسان.
■ هل يقوم الإعلام بدوره الحقيقي في نقل قصص الأثر؟
الإعلام خطا خطوات كبيرة، لكنه لا يزال يحتاج للتركيز أكثر على “الرحلة” لا “النتيجة” فقط. نحتاج لقصص ملهمة تبرز كيف تغيرت حياة الناس بفعل العمل الإنساني، لنشر ثقافة الأمل والعمل، والابتعاد عن التغطيات الموسمية التي تنتهي بانتهاء الحدث.
■ موقف أو تجربة شكّلت نقطة تحول في نظرتك للعطاء؟
كل لقاء مع شخص استطاع تجاوز محنته بفضل دعم بسيط هو نقطة تحول. لكن اللحظة التي لا أنساها هي رؤية “أثر التمكين”؛ حين ترى شخصًا كان يحتاج للمساعدة وقد أصبح هو نفسه مبادرًا ومعطيًا. هنا أدركت أن أعظم عطاء هو أن تمنح الإنسان القدرة على الوقوف مجددًا.
■ أين ترين «أضواء الخير» في المرحلة المقبلة؟
أراها مختبرًا وطنياً لابتكار الحلول التنموية. لا أريدها مجرد مبادرة، بل نموذجًا يُحتذى به في كيفية تحويل التحديات الاجتماعية إلى فرص للنجاح، وشريكًا استراتيجيًا يساهم في تحقيق مستهدفات وطننا الغالي في القطاع الثالث.
■ لو طُلب منك تلخيص فلسفة هذا الوطن في جملة واحدة؟
“السعودية اليوم هي قصة إنسان آمن بقيادته، ووطن احتضن أحلام أبنائه ليصنعوا معًا مستقبلاً لا يعرف المستحيل.
الخاتمة
لا تنتهي الحوارات عند الإجابات، ولا يُختزل العطاء في مبادرة أو تجربة واحدة.فما يُبنى اليوم في وطنٍ جعل الإنسان محور رؤيته،أكبر من أن يُحصر في إطار أو يُغلق بخاتمة.هذا الحوار لم يكن بحثًا عن إجابات جاهزة،بقدر ما كان محاولة لفتح باب التفكير في معنى الأثر،وفي مسؤولية الفرد حين تتقاطع القدرة مع الوعي.تبقى التجارب الإنسانية الحقيقية هي تلك التي لا تدّعي الاكتمال،ولا تبحث عن التصفيق،بل تترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من العمل،ومزيد من الشراكة،ومزيد من الأسئلة التي تصنع التغيير.وفي وطن يرى في الإنسان استثماره الأهم،يبقى العطاء فعلًا مستمرًا…



