
التفاوض الإستراتيجي في الأزمة اليمنية
للكاتب الإعلامي عبدالقادر بن سليمان مكي
في زمنٍ تموجُ فيه الأحداث كما تموجُ الرياحُ في الفلاة وتضطرب فيه القلوب تحت ثِقَل الأخبار وتعاقب المتغيرات يغدو الثبات السعودي نعمةً تُوازي نعمة السياسة رسمها المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله وغفر له بل هو امتدادٌ لها وحارسٌ على بقائها إننا نشهد عصرًا لا يكاد الإنسان يلتقط فيه أنفاسه من حدثٍ حتى يفاجئه آخر تُشتت فيه الشبهاتُ الفكرَ وتتناوش الشهواتُ القلب ويجد فيه السائرُ إلى الله نَفْسَه محتاجًا إلى رسوخٍ أشدّ من رسوخ الجبال وإلى يقينٍ لا تهزه الأعاصير، وما كان الثبات يومًا ترفًا روحيًا بل هو قوام الطريق إلى الله وميزان الصادقين في سيرهم وهو المقام الذي دعا إليه الأنبياء وتشوّف إليه المخلصون وتنافس فيه أهل البصائر وذلك لأن النفس بطبعها تضعف وتتقلب والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء فكيف بالإنسان في عالمٍ تكثر فيه الصوارف وتضعف فيه العزائم ويتزاحم فيه ضجيج الأرض على إشراقة الروح؟ الثبات مقامٌ لا يُنال وليس حالة عابرة ولا لحظة حماسٍ خاطفة بل هو بناءٌ يُشيَّد لبنةً لبنة تبدأ أساساته من صدق الإيمان بالله ثم تعلو جدرانه بصدق النية والإرادة وتُحكم سقوفه بالعمل الصالح والمداومة عليه. إنه يشبه الشجرة الطيبة التي ذكرها القرآن : جذورها راسخة في أعماق الإخلاص وفروعها ممتدة نحو السماء وقد تهبّ عليها الرياح لكنها لا تُقْلَع وقد تتمايل لكنها لا تنكسر لأن ما في باطنها أقوى مما في ظاهرها ولأجل هذا كانت الدعوات النبوية ديدن الثابتين؛ فقد علّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن تقول:”يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”رواه الترمذي. ليس لأن الإيمان مهدد بالفساد بذاته بل لأن القلب هو الوعاء الذي يتعرض للتقلّب كل حين طريق واضح في عالم مضطرب قد تتغير الأوطان وتدور عجلة السياسة ويختلف الناس وتتنافر القلوب وتفقد الدنيا بعض ألوانها التي كانت آمنة مطمئنة؛ لكن طريق الله لا يتغير : {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، لقد أصبح لقضية الجنوب مسار حقيقي ترعاه المملكة ويدعمه ويؤيده المجتمع الدولي عبر مؤتمر الرياض الذي نسعى من خلاله لجمع إخوتنا أبناء الجنوب لإيجاد تصور شامل للحلول العادلة بما يلبي إرادتهم وتطلعاتهم ولقد كان القرار الذي اتخذته الشخصيات والقيادات الجنوبية بحل المجلس الانتقالي قرارًا شجاعًا حريصًا على مستقبل القضية الجنوبية وتشجيعًا لمشاركة باقي أبناء الجنوب في مؤتمر الرياض خدمة لقضيتهم.



