
﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾… تحذير إلهي من الاصطفاف مع الظلم
ليست هذه الآية الكريمة توجيهًا عابرًا، ولا خطابًا خاصًا بزمان أو حادثة بعينها، بل هي قاعدة أخلاقية وتشريعية خالدة، يضع الله سبحانه وتعالى بها حدًا فاصلاً بين العدل والهوى، وبين الحق والتواطؤ، وبين النصرة المشروعة والدفاع عن الباطل.
إن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يحمل تحذيرًا صريحًا من الانخراط في تبرير الخيانة، أو الدفاع عن الظالم، أو تسخير المكانة أو الكلمة أو النفوذ لصالح من خان الأمانة وظلم غيره. فالخصومة هنا لا تعني فقط المرافعة القانونية، بل تشمل كل صور الإعانة: بالكلمة، بالصمت، بالتأويل، أو بتزييف الحقائق.
والخيانة في مفهومها القرآني أوسع من مجرد خيانة المال أو العهد؛ فهي خيانة للعدل، وللضمير، وللأمانة التي حمّلها الله للإنسان. ومن يقف في صف الخائن، أو يبرر فعله، أو يتغاضى عن ظلمه وهو قادر على الإنكار، فقد شاركه الإثم، وإن لم يباشر الفعل.
ويأتي التحذير الإلهي أشد وقعًا حين ندرك أن السكوت عن الظلم مع القدرة على منعه شكل من أشكال المشاركة فيه. فالإسلام لا يقف موقف الحياد أمام الظلم، بل يجعل مقاومته واجبًا، كلٌّ بحسب استطاعته. ومن أدرك الظلم ثم آثر السلامة، أو المصالح، أو العلاقات، فقد خذل الحق، وعرّض نفسه للمساءلة قبل غيره.
وفي زمن تتعدد فيه صور التزييف الإعلامي، وتُلبس فيه الخيانة ثوب “الاجتهاد” أو “حسن النية”، تعود هذه الآية لتوقظ الضمائر، وتؤكد أن العدالة لا تُجزأ، وأن الوقوف مع المظلوم ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل تكليف شرعي.
إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الظلم وحده، بل تطبيعه، والدفاع عنه، وتحويله إلى أمرٍ عادي أو مبرر. وهنا تتجلى حكمة الآية: فالله لم ينهَ عن الخيانة فقط، بل نهى عن الخصومة لأجل الخائنين، لأن بقاء الظلم لا يقوم إلا بمن يحمونه.
وفي الختام، تبقى هذه الآية رسالة واضحة لكل صاحب قلم، وكل صاحب قرار، وكل شاهد على ظلم: إما أن تكون مع الحق، أو أن تصمت وتتحمل وزر صمتك، أما أن تكون خصيمًا عن الخائنين، فذلك انحراف عن ميزان العدل الذي لا يقبل الله سواه



