
وقفة مع حديث “جحر الضب” بقلم الكاتب والاعلامي عبدالله بنجابي
في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، تبرز الحاجة الماسة للتمسك بالهوية الإسلامية والقيم الأصيلة التي قامت عليها بلادنا المباركة، تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله. إن الوعي المجتمعي هو الحصن المنيع أمام موجات التقليد الأعمى التي قد تذيب الفوارق الجوهرية بين ثقافة المسلم وغيرها من الثقافات.
إعجازٌ نبوي يصف واقعنا
لقد حذرنا النبي ﷺ منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الانجراف وراء التقليد غير الواعي، في حديثٍ يعد من دلائل نبوته الصادقة، حيث قال: “لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ…”.
هذا التشبيه بـ “جحر الضب” لم يكن عبثاً، فالضب يختار جحراً متعرجاً، ضيقاً، وموحشاً، ومع ذلك يندفع البعض لتقليد الآخرين حتى في أفعالهم التي لا تورث إلا الضيق أو الخلل القيمي، لمجرد أنها قادمة من “الشرق أو الغرب”.
مخاطر الذوبان الثقافي
إن ما نشهده اليوم من تسابق البعض نحو الاحتفال بمناسبات لا تمت لديننا ولا لثقافتنا بصلة، مثل “احتفالات رأس السنة الميلادية”، هو تجسيد حي لهذا الاتباع المذموم. وتكمن الخطورة في عدة نقاط:
ضعف الاعتزاز بالذات: الشعور بأن التطور لا يكتمل إلا بتبني عادات الآخرين.
التناقض العقدي: المشاركة في شعائر ومناسبات لها أبعاد دينية تتعارض مع ثوابت التوحيد.
الانفلات السلوكي: تبني أنماط معيشية أدت في المجتمعات الغربية نفسها إلى تفكك الأسر وضياع القيم التربوية.
نحو وعيٍ إسلاميٍ رشيد
إن الإسلام لا يمنع من الاستفادة من علوم الأمم الأخرى واختراعاتها وتجاربها الناجحة في الإدارة والبناء، ولكن المحذور هو “التبعية العمياء” في العادات والتقاليد والطقوس.
القاعدة الذهبية: خذ من الآخر ما يبني دنياك (علماً وتكنولوجيا)، واترك له ما يفسد آخرتك وهويتك (عاداتٍ وتقاليد مُخالفة).
خاتمة ودعاء
إن الحفاظ على ثوابت الأمة هو مسؤولية مشتركة بين الأسرة، والإعلام، والمؤسسات التعليمية. فالتميز ليس في محاكاة الغير، بل في تقديم نموذج إسلامي حضاري يجمع بين أصالة المعتقد ومعاصرة الأدوات.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واحفظ بلادنا وأمننا وعقيدتنا من كل سوء.



