
من راقب الناس مات همًّا
في إحدى اللقاءات الثقافية التي حضرتها سابقًا ، استوقفتني عبارة قديمة متجددة في معناها : «من راقب الناس مات همًّا». طرحها أحد المتحدثين على الحضور وسألهم عمّا يفهمونه من هذه الجملة ، فجاءت الإجابات متوقعة إلى حدٍّ كبير ؛ إذ ربط معظمهم المعنى بمقارنة الإنسان نفسه بالآخرين ، فينظر إلى ما يملكونه من مال أو مكانة أو إنجازات، فيتسلل إلى قلبه سؤال مرهق : لماذا لا أملك ما يملكون؟ ومن هنا يبدأ الهم من باب المقارنة.
غير أن المتحدث فاجأنا بتفسير مختلف تمامًا ، تفسير بدا أقرب إلى واقعنا اليوم وأكثر ملامسة لحياتنا اليومية . أوضح أن المقصود ليس مراقبة ما يملكه الناس ، بل مراقبة ما يقولونه عنا وما ننتظره من آرائهم وتفاعلاتهم.
فقد يحقق الإنسان إنجازًا مهمًا ، كالحصول على شهادة عليا أو نجاح مهني لافت ، ويبدأ شعور الفخر يملأه ، لكنه سرعان ما يتحول إلى قلق حين يترقب ردود أفعال الآخرين: لماذا لم يبارك لي فلان؟ لماذا لم يشارك قريبي إنجازي؟ ولماذا يهتم بإنجاز غيري ولا يلتفت إليّ؟ عندها يتحول النجاح من مصدر اعتزاز إلى عبء نفسي ، ويغدو الإنجاز عقبة تقف في طريق التقدم بدل أن يكون خطوة للأمام.
للأسف ، هذا الواقع يعيشه كثيرون ؛ إذ يعتقد البعض أن اهتمام الناس بإنجازاتهم واجب مفروض ، وأن الصمت أو التجاهل تقصير مقصود. فيفسرون كل كلمة عابرة على أنها رسالة خفية موجهة لهم ، وكل منشور عام على أنه تلميح شخصي ، وكأن العالم بأسره يدور حولهم. ومع تكرار هذا النمط من التفكير ، يدخل الإنسان في دائرة من الهم لا يكاد يخرج منها.
والحل لا يكمن في تغيير الناس أو التحكم في ردود أفعالهم ، بل في تغيير زاوية النظر ؛ فالنجاح الحقيقي هو أن تنجز وأنت مكتفٍ بذاتك ، واثق بما حققته لا منتظرًا اعتراف الآخرين.
فمن جعل رضاه معلقًا بالناس ، عاش أسيرًا لهم… ومن اكتفى بنفسه نجا من الهم.



