
معرض جدة للكتاب… مشهد ثقافي يُكتب بهدوء ويُقرأ بعمق
جدة – ✍️ هاني الجهني
يحضر معرض جدة للكتاب بوصفه أحد أبرز التظاهرات الثقافية في المملكة، حيث لا يكتفي بعرض الإصدارات، بل يقدّم تجربة معرفية متكاملة، تتقاطع فيها الكلمة مع الإنسان، والفكرة مع الحوار، في مشهد يعكس تطوّر الوعي الثقافي واتساع دائرة الاهتمام بالكتاب.
التجول بين أجنحة المعرض يكشف تنوّعًا غنيًا في دور النشر والعناوين، واختلافًا في المدارس الفكرية والاهتمامات القرائية، من الأدب والفلسفة، إلى المعرفة العامة وكتب الطفل، في صورة تؤكد أن القراءة ما زالت حاضرة، وأن الكتاب لم يغادر موقعه رغم تغيّر الوسائط وتسارع الإيقاع.
ويبرز تفاعل المؤلفين مع القرّاء كأحد المشاهد الأكثر صدقًا في المعرض، حيث تتحوّل منصات توقيع الكتب إلى مساحات حوار مفتوح، تختصر المسافة بين الكاتب وجمهوره، وتعيد للكتاب بعده الإنساني، بعيدًا عن الرسميات أو الخطابات الجاهزة.
وتسهم الجلسات الحوارية المصاحبة في تعميق التجربة الثقافية، عبر طرح موضوعات فكرية وأدبية متنوّعة، تفتح باب النقاش، وتمنح الحضور فرصة التفاعل المباشر مع الأفكار، في بيئة تحترم الرأي وتثمّن قيمة الكلمة والاختلاف.
ولم يغفل المعرض البعد الأسري، إذ خُصّص ركن متكامل للطفل يوفّر بيئة آمنة ومنظمة تحتضن الأطفال بأنشطة تفاعلية تراعي أعمارهم واهتماماتهم، ما أتاح للأسر التجوّل في أروقة المعرض والاستمتاع بتجربته الثقافية براحة وطمأنينة، في صورة تعكس وعيًا بأهمية إشراك الأسرة كاملة في المشهد الثقافي.
وتتكامل هذه التجربة مع تنظيم يعكس اهتمامًا بالتفاصيل؛ مساحات مريحة، حركة سلسة، توزيع واضح للأجنحة، وخدمات تتيح للزائر القراءة والتأمل والاختيار بهدوء، ما يمنح المعرض طابعًا ثقافيًا راقيًا ينسجم مع روح الحدث.
ويؤكد معرض جدة للكتاب، من خلال هذا الزخم، أن الثقافة ليست فعالية موسمية، بل مسار مستمر، وأن الكتاب، مهما تغيّرت الأزمنة وتبدّلت الوسائط، لا يزال أحد أكثر أدوات المعرفة صدقًا وتأثيرًا، ورافدًا أساسيًا في بناء الوعي المجتمعي.








