
استشعار النِّعم .. طريق الرِّضا وسكينة القلوب ….. بقلم الكاتبه منيره عوض الله الحربي
في زحمة الحياة وتسارع إيقاعها اليومي، يغفل كثير من الناس عن أعظم ما يملكون: النِّعم التي تحيط بهم في كل لحظة. وبين السعي الدائم نحو المزيد، والمقارنات التي لا تنتهي، تتراجع مشاعر الرِّضا، ويبهت الإحساس بالقناعة، رغم أن النِّعم لا تُعدّ ولا تُحصى.
وعيٌ بالنِّعمة قبل زوالها
إن استشعار النِّعم لا يقتصر على الاعتراف بوجودها، بل يتجاوز ذلك إلى وعيٍ عميق بقيمتها وأثرها في حياتنا. فنعمة الصحة، والأمن، والأسرة، والعمل، وحتى القدرة على الاستيقاظ كل صباح، هي عطايا إلهية قد لا ندرك عظمتها إلا عند فقدانها. قال تعالى:
«وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا».
الرِّضا… قوة لا ضعف
ويرتبط استشعار النِّعم ارتباطًا وثيقًا بالرضى بما كتبه الله لنا. فالرضى لا يعني الاستسلام للواقع، بل هو ثقةٌ بحكمة الله وعدله، ويقينٌ بأن ما اختاره لنا هو الخير، وإن خفيت أسبابه. ومن هنا تنبع الطمأنينة، ويهدأ القلق، وتستقر النفوس مهما تغيّرت الظروف.
القناعة… غنى القلوب
أما القناعة، فهي جوهر الرِّضا وميزان السعادة الحقيقية، إذ يكتفي الإنسان بما قسمه الله له، دون سخط أو تطلّعٍ لما في أيدي الآخرين. وقد قيل: القناعة كنز لا يفنى، لأنها تمنح صاحبها غنى النفس، وتحرّره من أسر المقارنات وضغوط المظاهر.
مسؤولية مجتمعية
وفي زمنٍ تُهيمن فيه ثقافة الاستهلاك والتفاخر، تبرز الحاجة إلى خطاب إعلامي وتربوي واعٍ يعيد الاعتبار لقيم الرِّضا والقناعة، ويغرسها في نفوس الأجيال، تأكيدًا على أن السعادة لا تُقاس بما نملك، بل بما نشعر به من سلام داخلي وشكرٍ للمنعم.
إن استشعار النِّعم، والرضى بالقضاء، والقناعة بما قُسِم لنا، ليست مجرد فضائل أخلاقية، بل أسلوب حياة ينعكس أثره على الفرد والمجتمع، ويصنع إنسانًا أكثر توازنًا واطمئنانًا.
ونسأل الله المعطي الوهاب، الكريم الحليم الرحيم، أن يديم علينا نعمه، وأن يرزقنا شكرها وحسن استثمارها، وقلوبًا راضيةً مطمئنةً بعطائه.



