
الصّدفة بين حكمة القدر وَفلسفة المصادفة . بقلم الكاتب عبدالرحمن العنزي
حين تتكلم الحياة بلغة المفاجأة
فبلا شك في زوايا هذه الحياة تختبئ لحظات صغيرة تبدو عادية لكنها تحمل في طيّاتها معاني كبرى لحظات لا نمنحها اهتمامًا فإذا بها تغيّر مجرى العمر كله نسميها صدفة وهي في الحقيقة قدرٌ متنكر بثوب المفاجأة
كم من لقاءٍ عابرٍ أعاد ترتيب أوراق
العمر المتناثره !
وكم من نظرةٍ غير مقصودة فتحت بابًا للعشق فحرّك عروق القلب أو أغلقت بابًا على وجعٍ قديم أدمىٰ ذلك القلب !
تلك هي الصّدفة التي تضعنا في المكان الصحيح في التوقيت الإلهيّ الدقيق
وحين نضع الصّدفة بين الإيمان والعقل
نرى من منظور الإيمان أنه لا وجود للمصادفة المطلقة فكل ما يحدث في هذا الكون إنما هو بإرادة الله وتقديره مكتوبٌ في علم الغيب منذ الأزل
نقول (صدفة) حين نلتقي من لم نتوقع رؤيته أو حين نصادف حدثًا غير مخطَّط له لكن في الحقيقة أن كل ذلك سلسلة من الأسباب التي أرادها الله لحكمةٍ قد نجهلها اليوم وندركها غدًا
إذن نتفق أن الصّدفة ليست فوضى بل نظام دقيق نُسِجَ بخيوط القدر
نراه صدفة لأننا نجهل ما وراءه من
تدبيرٍ ولطف إلهي
وحين تبرر الأقدار حضورها تبقى هذه الصّدفة ليست إلا إلتقاء بين حدثين في لحظة واحدة بلا ترتيبٍ منّا كبشر لكنها تحمل بين طيّاتها رسائل خفية تُعيد ترتيب الوعي
أحيانًا تأتي الصّدفة كإجابةٍ غير متوقعة على تساؤلاتٍ نسيناها ومسحت من ذاكرتنا أو كاستجابةٍ لدعوةٍ قديمة أطلقناها في لحظة ضعفٍ أو شوق
تلك هي الروابط الزمنية الدقيقة التي تجعلنا ندرك أن الغياب أو التأخر دقيقة واحدة قد يبدّل كل شيء
قد يبدو الأمر بسيطاً لكن في جوهره
هو توقيع من القدر على صفحة العمر
وحين يختار الحب أن يدخل قلب الإنسان صدفة فقمّة جماله ولذّته
حين يولد بلا موعد
حين تجمع الصدفة قلبين لم يسعيا لبعضهما فيلتقيان على غير ترتيب
ويبدأ بينهما حوار الروح الذي لا يحتاج إلى كلمات وهناك الكثير من قصص الحب الخالدة
(( والتي لا يسع المقال لذكرها ))
بدأت بلقاءٍ عابرٍ في وقتٍ غير محسوب لكنها استمرت حتى خلدها التاريخ لأنها كانت قدرًا مكتوبًا في لوح الغيب
فالصّدفة في الحب ليست حدثًا عشوائيًا بل موعدٌ كتبه القدر بلغة المفاجأة
ومن الحكم والمقولات لكبار الأدباء والتي تُضيء لنا المعنى والطريق
مثل
(*ربما تقودك صدفة لم تكن تفكر بها إلى واقع لم تكن لتفكر به*)
لــِ الأديب جبران خليل جبران
وَ (*رب صدفة خير من ألف ميعاد*)
لــ أحمد المنياوي
( *ما أجمل الغرباء حين يصبحوا أصدقائنا بالصدفة* )
لــ الأديب نجيب محفوظ
وَ (*الصدفة تسير أحيانًا بتوقيت القلوب*)
لــ الكاتبه نشميّه الصّقري
وَ (*أجمل ما في الصدفة أنها خالية من الانتظار*)
لــ الأديب محمود درويش
(*دائمًا تأتي الصدفة بأفضل ألف مرة مما يأتيه الترتيب*)
لــ حسن كمال
وَ (*كلما ظننا أن الحياة انسحبت من بين أناملنا تأتي صدفة جميلة تجعلنا نغير رأينا*)
لــ واسيني الأعرج
كلماتهم تشبهنا جميعًا لأن كلًّا منّا يحمل في ذاكرته صدفةً واحدة على الأقل غيّرت نظرته إلى العالم وربما إلى نفسه
*في ختام هذا المقال*
ليست الصّدفة إلا توقيعًا من القدر على صفحة حياتنا وبمثابة رسالة خفية تقول لنا إن ما نعتبره عشوائيًا هو في الحقيقة جزء من حكمة كبرى وقد تمرّ الأيام فنظن أن بعض الأحداث بلا معنى لكننا حين نلتفت إلى الوراء نبتسم في دهشةٍ وامتنان قائلين ( *لو لم تحدث تلك الصدفة لما كنت أنا أنا*)
فالصّدف ليست عبثًا بل هدايا القدر المتخفية يُرسلها الله حين تضيق بنا الدروب ليذكّرنا أن الحياة لا تزال قادرة على المفاجأة….



