
” جمر المعرفة” … بقلم الكاتبة والإعلامية شعاع السعد
مكتبة بغداد بين رماد التدمير وإرادة الإحياء
النار تصنع تاريخاً من الرماد
عندما تدب النيران في جسد كتاب لا تحرق حبراً على ورقٍ فقط بل تمحو ذاكرة أممٍ وتُغيّب أصواتاً أنارت دروب الحضارة تاريخ بغداد مع حرق المكتبات هو جرحٌ نازفٌ يتجدّد عبر العصور من سقوطها على يد المغول عام 1258 إلى نهب المتحف الوطني عام 2003 وصولاً إلى تهديد داعش لمخطوطات الموصل عام 2015 في هذا المشهد المأساوي تنبثق قصص الصمود كتابٌ يُنتشل من نهر دجلة وفنّانون يعيدون بناء المكتبات من الفراغ وتقنياتٌ حديثة تنقذ تراثاً شبهَ ضائع
دموع دجلة.. عندما غرقت المكتبات في الدم والمداد
الغزو المغولي الكارثة التأسيسية
في 10 فبراير 1258 سقطت بغداد درّة العالم الإسلامي بيد هولاكو لم يكن الدمار مقتصراً على الأرواح فحسب بل طالَ ذاكرة الأمة
بيت الحكمة أعظم مكتبات العصر أُحرقَ وأُلقيَ بكنوزه في نهر دجلة الروايات التاريخية تصف مشهداً مرعباً مياه النهر تتحول إلى اللونين الأسود (من حبر الكتب) والأحمر (من دماء الضحايا) لثلاثة أيام
جدل التاريخ .. يشكك بعض المؤرخين مثل علي الكاش في تحول لون النهر بحجة أن المياه الجارية لا تحتفظ بالألوان طويلاً لكنّ مخطوطاتٍ وثّقت شهادة عيان لإنقاذ كتاب “المفردات في غريب القرآن” تثبت إغراق آلاف الكتب
قصة إنقاذ: كتابٌ ينبض من بين الرماد
في خضمّ الدمار خاطرَ محمد بن أبي بكر بحياته لينتشل مخطوطةً تطفو على دجلة كان الكتاب “المفردات في غريب القرآن”للأصفهاني توفي 1108م وهو معجمٌ قرآني رتّب المفردات ترتيباً هجائياً قبل 10 قرون مقدماً سبقاً علمياً فريداً على الصفحة الأولى سجّل المُنقذ: انتشلتُ هذا الكتاب من النهر بعد رمي التتر له سنة 656هـ
اليوم تقبع هذه المخطوطة في المكتبة القادرية ببغداد شاهدةً على جريمةٍ لم تمحُ الأيام ألمها
الحرائق الجديدة
من 2003 إلى داعش
النار تحت الاحتلال
مكتبات تذوب في لهيب الفوضى
أعاد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 تمثيل مأساة التاريخ
المكتبة الوطنية ببغداد أُحرق 25% من كتبها و60% من أرشيفها بما فيه سجلات الدولة العثمانية وثائق حساسة (1920-1977) نُقلت بأعجوبة في أكياس أرز لكن مياه دمرت أنابيبها أتلفت 400,000 صفحة و4,000 كتاب نادر بينها أرشيف يهود العراق
مكتبة الناصريةفي مايو 2004 أتى مجهولون على 3,900 كتابٍ أثري في متحف المدينة في عملية منهجية طالت أيضاً دار الكتب والوثائق ومكتبة جامعة الموصل
داعش التدمير كإيديولوجيا
عام 2015 حوّل تنظيم داعش الموصل إلى ساحة لتمثيل بربريته رغم سيطرة التنظيم بدأت المكتبة الوطنية ببغداد مشروعاً طموحاً
رقمنة المخطوطات الباقية باستخدام تقنيات تصوير متطورة
ترميم وثائق عثمانية عمرها 250 عاماً عبر جراحة مجهرية تعقيم تغليف بورق ياباني خاص وإحياء كتبٍ تحولت إلى أحجار بفعل الرطوبة
يقول جمال عبد المجيد مدير المكتبة
“الإرهابيون يريدون كتابة التاريخ بروايتهم، ونحن نعيد الكتب للمناطق المحررة لنذكّر العراقيين بتاريخهم الأصيل”
إعادة الحياة إلى الرماد..
الفنّانون يبنون من الفراغ
الفنان العراقي الأمريكي وافا بلال لم ينسَ حريق كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد (2003) حيث أتى لهيبٌ على 70,000 كتاب في مشروعه “168:01″(إشارة إلى 168 ساعة تحول فيها دجلة إلى حبر بعد الغزو المغولي + 01 كرمز للبداية الجديدة)
حوّل المعرض إلى رفوف مليئة بـ 1,000 كتاب أبيض يتبادلها الزوّانون بكتب حقيقية من قائمة طلبات الكلية
نجح المشروع في إرسال 1,700 كتاب إلى بغداد محوّلاً الفن إلى فعل مقاومة
المكتبة الجديدة: بيت الحكمة في القرن الـ21
بمساعدة اليونسكو يجري بناء مكتبة وطنية جديدة في بغداد مساحة 45,000 متر مربع بتصميم بريطاني حديث
توفر بيئة آمنة لـ 4 ملايين كتاب مع نظام إطفاء متطور بعد حرائق 2025 التي كشفت هشاشة البنى التحتية
الكتب لا تموت.. النار تصنع الفينيق
أعداء المعرفة لا يحرقون الكتب لأنهم يخافون الورق، بل لأنهم يخشون وعي البشر
بغداد التي شهدت أسوأ مجازر الذاكرة تثبت أن إرادة الحياة أقوى من النار مخطوطة الأصفهاني التي عادت من الماء ومشروع وافا بلال الذي يحوّل البياض إلى ألوان ورقمنة دجلة العصرية كلها تشي بأن المعرفة قادرة على اجتياز المحارق اليوم بينما تستعد المكتبة الوطنية الجديدة لفتح أبوابها يتردد صدى كلمات المفكر عماد الدين خليل 90% من مخطوطاتنا ضاعت لكن الباقي سيصنع مستقبلاً لا يمحى
اخيراً نحن لا نرثي البلاد نحن نرثي الكتاب
من ينقذ كتابا يخلق امة نحن لا نرثي البلاد حين تحترق بل نرثي الصمت الذي يخلفه الدخان في عقول البشر فالاوطان تبنى بحجارة الذاكرة قبل حجارة الشوارع ومن ينقذ كتابا من لهيب..
كمن يخرج جنين حضارة من رحم الكارثة
لأن الكتاب المنقذ ليس مجرد ورق بل هو رحم تحمل الف عالم وقنديل يضيء لألف طفل سيسألون غدا
من كنا.. قبل أن تأكل النار هويتنا؟
أتعلم لماذا بكى ابن خلدون وهو يرى مكتبة الاسكندرية تحرق؟
لانه عرف ان حرق كتاب هو اعدام للمستقبل
قتل لقادة لم يولدوا بعد
وشحذ لسكاكين الجهل على جلد الزمن فاذا صرخ كتاب مهجور بين الرماد انقذوني.. فانا آخر شهود هذه الامة فمن يمد له يدا كمن يزرع بذرة بلد جديد في عقل طفل يتيم لذلك..
لا تقل احرقوا مكتباتنا
بل قل هذه الكتب التي انقذناها من بين الاسنان المشتعلة سترضع الف مفكر وتخرج من جثث المخطوطات جيشا من نور جيش لا يحمل سلاحا الا سؤالا ولا يورث الارض دمارا بل يبنيها من كلمة اقرأ
فاليوم حين تنظر الى يد ترفع كتابا من تحت الانقاض
اعلم انها لا تنظف ركام! بل تمسح دمعة التاريخ وتحمل طفلا اسمه المستقبل فالكتب التي ننقذها اليوم ستعلم اطفال الغد ان الحرف اقوى من اللهب
وان من ينقذ كتابا يخلق من رماد المكتبات امة تقرأ فلا تحرق مرتين



