
سبق السيف العذل… درسٌ عربي في هندسة القرار
✍️ هاني احمد الجهني
الخطأ ليس أخطر ما نرتكبه، الأخطر هو التوقيت الذي نرتكبه فيه.
فبعض الأفعال يمكن تداركها، وبعض القرارات يمكن مراجعتها، لكن هناك لحظات إذا تحوّلت إلى فعل أغلقت معها باب النقاش، وأسقطت قيمة التبرير مهما بدا منطقيًا بعد ذلك. من هذا المعنى الدقيق تشكّل واحد من أكثر الأمثال العربية صلابة وصدقًا: «سبق السيف العذل».
مثلٌ لم يُولد في مجلس حِكم، ولا قيل للتسلية، بل خرج من واقعة إنسانية قاسية، قاله ضَبّة بن أَدّ في لحظة لم تتّسع للتفكير المتأخر، فصار تعبيرًا مكثفًا عن علاقة الإنسان بالقرار وتبعاته. تذكر كتب التراث أن لِضَبّة ابنًا يُدعى سعيدًا، خرج في شأنٍ له، فاعترضه رجل فقتله غدرًا، ثم مضت السنوات دون أن يُعرف القاتل. عاش الأب فجيعته بصمت طويل، يحمل الألم دون أن يجد وجهًا يواجهه به، ولا عدالة يقتص بها لابنه. وبعد زمن، وفي أحد الأسفار، التقى ضبّة برجل لا يعرفه، فدار بينهما حديث عابر، أخذ فيه الرجل يتحدث عن ماضيه وأفعاله، حتى أقرّ صراحة – على جهة التفاخر – أنه قتل شابًا يُدعى سعيد بن ضبّة، وذكر تفاصيل الجريمة، وفي بعض الروايات كان يحمل سيف القتيل أو متاعه، فعرفه الأب معرفة يقين لا ظنّ فيها. عند تلك اللحظة لم يكن الأمر خبرًا يُناقَش، ولا رواية تُستوضح، بل اعترافًا مباشرًا بجريمة قتل، فانكشف القاتل وثبت الفعل، فاستلّ ضبّة سيفه وقتله قصاصًا في الحال. فلما لامه الناس وسألوه لِمَ لم يُمهله أو يراجع الأمر، قال كلمته التي اختصرت المشهد كله: سبق السيف العذل. لم يكن هذا القول تبريرًا للفعل بقدر ما كان توصيفًا صارمًا لطبيعة لحظات معيّنة في حياة الإنسان؛ لحظات إذا اكتملت حقيقتها سقط معها العتاب، وأصبح اللوم المتأخر بلا وظيفة، فالقصاص وقع بعد إقرار لا بعد ظن، والعذل جاء بعد فعل لا يقبل الإرجاع. هذه الحكمة لم تفقد صلاحيتها، لأن السيف لم يختفِ، بل غيّرنا نحن شكله،فالسيف اليوم قد يكون كلمة قيلت في غير وقتها، أو قرارًا إداريًا متسرعًا، أو موقفًا أُطلق قبل اكتمال الصورة، وما إن تظهر النتائج حتى يبدأ العذل وتكثر المبررات وكأن الزمن قابل للاسترجاع. المثل لا يدعو إلى القسوة ولا يُمجّد الاندفاع، بل يضع الإنسان أمام مسؤوليته الكاملة؛ التفكير جزء من القرار، والتوقيت نصف الحكمة، فالقوة ليست في سرعة الحسم بل في سلامة التقدير، ولا في الجرأة على الفعل دائمًا بل في شجاعة التوقّف حين يكون التوقّف هو الخيار الأذكى. كم من علاقة انهارت لأن السيف سبق العذل؟ وكم من فرصة ضاعت لأن القرار سبق العقل؟ وكم من موقف كان يمكن إنقاذه لو أُعطي التفكير حقه قبل أن تتحرك اليد؟ لهذا بقي هذا المثل حيًا في الذاكرة العربية، لا لأنه يحكي قصة قتل، بل لأنه يكشف طبيعة إنسانية تتكرر في كل عصر: الاندفاع أولًا، ثم البحث عن مبررات بعد فوات الأوان. سبق السيف العذل ليست جملة تُقال، بل ميزان يُوزن به السلوك، وسؤال مفتوح أمام كل قرار نتخذه: هل نُحسن التفكير قبل أن نرفع سيوفنا.



