
نزولُ العظمة في يوم الرحمة : تجلّيات القرب الإلهي في يوم عرفة بقلم الاعلاميه ابتسام العتيبي
في رحاب يوم عرفة، يقف الخلق على صعيدٍ واحد، حفاةً عُراةً شعثًا غبرًا، يرفعون أكفَّ الضراعة إلى السماء، يستمطرون الرحمة، ويستفتحون أبواب المغفرة. ذلك اليوم العظيم الذي قال فيه النبي ﷺ:
“ما من يومٍ أكثر من أن يُعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟” [رواه مسلم].
إن نزول الله عز وجل في يوم عرفة ليس كنزول المخلوق، بل هو نزولٌ يليق بجلاله وعظمته، لا يُشبه فيه أحدًا من خلقه، كما جاء في الحديث الصحيح:
“إن اللهَ يُدني، ثم يُباهي بهم الملائكة…” وهذا الدنو نزولٌ يُثبت كما ورد، بلا تمثيلٍ ولا تكييف، ولا تعطيل.
هذا النزول هو نزول رحمةٍ وقربٍ وإجابة، تفيض فيه السماء برحمات الله، وتُعتق فيه الرقاب من النار، وترتفع فيه الدعوات إلى السماء كأزهى ما تكون، خاشعة باكية، وقلوبها معلّقة بالله، راجية عفوه ومغفرته.
في هذا اليوم:
• يتجلّى فضل الله على عباده، حيث يغفر للعاصين، ويجبر كسر المنكسرين، ويرفع درجات الطائعين.
• تغمر القلوب السكينة حين تشعر بقرب الرحمن منها، وأنه يسمع دعاءها، ويرى حالها، ويعلم سرّها ونجواها.
• وتتجلّى عظمة الله سبحانه في أنه، وهو الغني الحميد، ينزل إلى سماء الدنيا، يباهي ملائكته بعباده الواقفين بعرفة.
فأي فضل أعظم؟ وأي كرم أوسع؟
هذا اليوم هو الفرصة الذهبية لكل تائب، ولكل مكروب، ولكل من أثقلته ذنوبه. يوم عرفة ليس للحجاج وحدهم، بل لكل عبدٍ مؤمن يرجو الله واليوم الآخر. قال ﷺ عن صيام يوم عرفة:
“أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده” [رواه مسلم].
ختامًا:
في يوم عرفة، تذكّر أن الله قريب، ينزل بعظمته، لا يعجزه ذنب، ولا يغيب عنه دعاء، فكن من الواقف قلبًا ولو لم تكن واقفًا جسدًا.
ارفع يديك، وأخلص نيتك، فإنك بين يدي مَلِكٍ كريمٍ، يحبّ أن يُسأل، ويحبّ أن يُرجى، وهو أرحم الراحمين.
اللهم لا تحرمنا نزول رحمتك، ولا تردّنا خائبين في يوم عرفة



