مقالات

رفقاً يا بقايا الذكريات

الكاتب: محمد مسملي

حين ينام الكون، ويسدل الليل ستاره الثقيل، وتخفت الأصوات من حولك، تبقى وحيدًا تتأمل حياتك، تراجع أفكارك وذكرياتك، تحاول بكل ما أوتيت من طاقة أن تجمع شتاتها لتصبّها في قالب جميل، لكنك تتفاجأ بأن كل تلك الذكريات ليست سوى جراح وندوب تركها الزمن على هذه النفس الصغيرة.

يا إلهي! كيف لهذه النفس أن تعيش بكل هذا الألم؟ وكيف لها أن تحتمل كل هذه الندوب التي لم تندمل رغم تعاقب السنين؟

تجلس هناك، بعيدًا، في هدوء موجع، تقلب صفحات حياتك بتفاصيلها، وتفتش بين السطور لعلّك تعثر على عبارة أمل تخفف عنك شيئًا من ثقل الأيام، فلا تجد إلا خيبات لم تحتوها صدور حنونة. تمنيت لو وجدت من يفهمك، تناجيه حين ينام الجميع، فيربت على كتفك، ويتمتم بكلمات تشعرك بسمو العاطفة… لكنك حين تنظر من حولك لا تجد سوى سكون مخيف تقطعه أصوات صراصير الليل والجنادب، وكأنها تقول لك: لماذا أنت مستيقظ الآن؟ الكل قد خلد للنوم إلا أنت.

تتأمل حياتك كأنها فيلم قديم بالأبيض والأسود، حتى صوته يتهدج بفعل تعاقب الفصول والسنوات، يشبه سنوات عمرك التي تمضي دون عودة. تجد نفسك مضطرًا لمواصلة المشاهدة، رغم يقينك أن المشاهد القادمة ليست إلا نسخة مما مضى، وتستمر في التساؤل عند كل مشهد: لماذا حدث هذا؟ ولماذا لم يحدث ذاك؟

وفي خضم هذا الصمت، وذلك الشريط الموحش، قد يلوح لك شيء من السلام الداخلي يخبرك بأن هناك فسحة من ضوء، فما دام الليل يمرّ، فلا بدّ للصباح أن يأتي. غير أنك حين تنهض، تجد نفسك مثقلاً من جديد بتفاصيل الذكريات.

يمرّ شريط العمر ببطء مريب؛ أحلام وأمنيات تحولت إلى صدى بعيد بالكاد يُسمع. أحدّث نفسي: لماذا تألمت؟ لماذا انكسرت في أماكن لم يرها أحد؟ ولماذا اعتدت أن أبتسم وأنا أنزف داخليًا؟

في هذه الليلة أدركت أني لست هشًّا، بل قويًّا من الداخل، قادرًا على حمل كل تلك الجراح دون أن يصدر مني ضجيج أو أنين. ويستمر الطريق والليل في خطين متوازيين، لا يلتقيان ولا ينقطعان، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. فالحزن وإن طغى، والليل وإن طال، لابد أن يشرق الفجر، ويولد النور من رحم الظلام، ويزول الحزن ليغمر الفرح الروح. سأظلّ أنتظر ذلك البزوغ، وذلك الأمل، ولا خلاص لي من الانتظار.

وأنا أكتب هذه الكلمات، تبادرت إلى ذهني أبيات شعر كأنها تصوّر بعضًا من هذا المشهد:

حسرةٌ في خاطري متّكئةٌ
وظلامٌ دامسٌ ما أبطأه

كان ليلي مثل عملاقٍ له
ألفُ رأسٍ وله نصفُ رئة

يحتويني صمته يخنقني
لونه الدامسُ يخفي نبأه

وأنا أرسم في ذهني رؤىً
من سجلات المنى مُجتزَأه

كان قنديلُ الرضا مشتعلاً
ليت شعري أيَّ حزنٍ أطفأه

كان جرحي ماضيًا في بُرئه
ليت شعري أيَّ سهمٍ نكأه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى