
صناعة التافهين.. انحدار الذوق العام في زمن “اللايكات”
في عصر المنصات الرقمية والانفجار الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي، باتت صناعة “الشهرة” لا تتطلب موهبة أو فكرًا أو مضمونًا، بل أصبحت مرهونة بعدد “اللايكات” و”المشاهدات” و”الكومنتات”، بغض النظر عن القيمة التي يقدمها هذا “المشهور” أو “المحتوى” الذي يروج له.
لقد أفرز هذا الواقع ظاهرة مقلقة لا يمكن إنكارها، وهي صناعة التافهين. أشخاصٌ لا يمتلكون أي رصيد معرفي أو ثقافي أو حتى أخلاقي، يتصدرون المشهد الرقمي، وتُفتح لهم أبواب الشهرة والفرص، فقط لأنهم يثيرون الجدل أو يقدمون محتوى سطحيًا أو مبتذلًا يستدرج اهتمام جمهورٍ واسع من المتابعين، كثير منهم – مع الأسف – لا يُحسن التمييز بين الترفيه البريء والانحدار الأخلاقي أو الفكري.
هذه الظاهرة ليست عابرة، بل تشكل مؤشرًا خطيرًا على انحدار “الذوق العام” لدى شريحة كبيرة من المجتمع، حيث أصبح التأثير يقاس بالصخب، وليس بالفكرة؛ بالضحك الرخيص، وليس بالرسالة.
منصة “الترند” لم تعد مساحة للتميز أو للإبداع الحقيقي، بل أصبحت في كثير من الأحيان مسرحًا لصراعٍ محموم على جذب الانتباه بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو التفاهة المطلقة.
وفي الوقت الذي يحتفي فيه البعض بهؤلاء التافهين كمشاهير مؤثرين، نجد في الطرف المقابل المبدعين الحقيقيين، من مفكرين وأدباء وعلماء ومثقفين، يعيشون في الظل، لأن خوارزميات المنصات لا تُكافئ القيمة، بل تكافئ الإثارة اللحظية.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بجدية:
هل أصبحت أدوات الإعلام الجديد بيئة طاردة للوعي، ومُحفزة للتفاهة؟
وهل نحن، كمجتمع، نتحمل جزءًا من مسؤولية بروز هذه الظاهرة عبر دعمنا اللاواعي لها بالمشاهدة والتفاعل والتداول؟
لقد آن الأوان لإعادة النظر في ما نستهلكه رقميًا، وفيمن نمنحهم أصواتنا واهتمامنا، لأن صناعة التافهين لا تزدهر إلا إذا وجدوا جمهورًا يغذي تفاهتهم، ويمنحها شرعية لا تستحقها.
وفي زمن تتشكل فيه العقول والمواقف من خلال “مقطع قصير”، علينا أن نُدرك أن معركة الوعي لا تُخاض فقط في قاعات المحاضرات، بل أيضًا على شاشات الهواتف



