
“عصر السرعة” …. بقلم الكاتبة والإعلامية شعاع السعد
عندما تحولت الحياة من خطوات وئيدة إلى سباق محموم كيف غيرت السرعة وجه الإنسانية وأعادت تشكيل وعينا ؟
الزمن الذي اختزلته رقائق السليكون
في القرن التاسع عشر كانت رسالةٌ تُنقل من لندن إلى بومباي تستغرق 40 يومًا عبر السفن الشراعية اليوم يُمكن لتغريدة أن تلفَّ العالم في 40 ثانية هذا التحول الجذري ليس مجرد تطور تقني بل هو ثورة في إدراكنا للزمن والمكان حوَّلت العالم إلى “قرية صغيرة” تتحرك بسرعة الضوء فكيف أعادت السرعة تشكيل حياتنا وما الثمن الذي دفعناه مقابل هذه الرفاهية؟
من الدخان إلى الذكاء الاصطناعي رحلة وسائل الاتصال عبر العصور
العصر ما قبل الصناعي
النار والدخان كانت أدوات اتصال بدائية للإشارة إلى الخطر أو توجيه المجموعات
البريد استغرق توصيل الرسائل أسابيع بل شهورًا مع مخاطر الفقدان أو التلف
الثورة الصناعية
التلغراف (1837) أول نقلة نوعية اختزلت الزمن إلى دقائق لكنه ظل حكرًا على النخب
الهاتف (1876) حول الصوت إلى إشارات كهربائية لكنه بقي مقيدًا بالأسلاك والبنية التحتية
العصر الرقمي
الإنترنت (1990s) حوَّل العالم إلى شبكة مترابطة جاعلًا المعلومات سلعة مجانية وفورية
وسائل التواصل بات الفرد قادرًا على مخاطبة الملايين بلحظة كما حوَّلت المنصات مثل “فيسبوك” و”تويتر” المستهلك إلى منتجٍ للمحتوى
٢. الصحافة في دوامة السرعة
من الوقائع المصرية إلى تويتر
الصحافة الورقية
بداياتها أول صحيفة عربية “جورنال العراق” (1816) تبعتها الوقائع المصرية( 1828)
إيقاعها طباعة يومية تجعل الخبر “قديمًا” بعد ساعات
الصحافة الرقمية السباق مع الزمن
أدت السرعة إلى
الأخبار العاجلة (Breaking News) تحديث لحظي لكنه يضحي أحيانًا بالدقة
التحديات انتشار الأخبار الكاذبة والضغط على الصحفيين للتغطية قبل التحقق
أنواع جديدة
– المدونات رأي شخصي بلمسة احترافية
– البودكاست أخبار تُستهلك أثناء القيادة أو الرياضة
٣. الوجه المظلم للسرعة
عندما يصبح التقدم عبئًا
الاستبداد الخفي
هرموت روزا ( عالم اجتماع)الرأسمالية حوَّلت السرعة إلى أداة سيطرة جعلت الأفراد أسرى سباق لا نهاية له
70% من العاملين في التقنية يعانون من إرهاق السرعة( Burnout) بسبب الضغط الدائم للتحديث
تأثيرات نفسية واجتماعية
العلاقات تحولت المشاعر إلى كلمات آلية على الشاشات وضعف التواصل العائلي
الصحة آلام الرقبة والظهر إجهاد العين (حسب قاعدة 20-20-20) والسمنة بسبب الخمول
اتخاذ القرار
في السياسة قرارات متسرعة (كالحروب) تُتخذ دون تمحيص بعواقب كارثية
في الحياة الشخصية الندم يأتي من العجلة والسلامة من التأني
٤. هل يمكن الموازنة بين السرعة والحكمة؟
فلسفة التمهل دعا الفيلسوف بول فيريليو إلى كبح جماح السرعة قبل أن تدمر النسيج الاجتماعي
توظيف التقنية استخدام أدوات مثل:
الذكاء الاصطناعي لتصفية المعلومات الزائفة.
التقويم الرقمي لتخصيص أوقات للانقطاع عن الاتصال
دور الأفراد
الوعي بالحدود عدم الخلط بين السرعة في العمل والعجلة في التفكير
إعادة التواصل الإنساني
إلى أين نركض؟
السرعة غيَّرت وجه الحضارة لكنها أيضًا خلقت فجوة بين التقدم التقني والنضج الإنساني السؤال الأصعب ليس كيف نسرع أكثر؟ بل لماذا نسرع؟ في عصر المعلومات قد تكون الحكمة هي أن نعرف متى نتوقف قبل أن نصير كما حذر إيفان إيليتش دمى في آلة لا تعرف التوقف
العالم يشبه إلى حد كبير طائرًا يحلق بجناحين
أحدهما التقدم التكنولوجي والآخر الحكمة الإنسانية
إذا طغى أحدهما على الآخر سقط الطائر
السرعة غيَّرت وجه الحضارة لكن الصحافة الورقية تظل الملجأ الأخير للفكر المتعمق العودة إليها ليست حنينًا للماضي بل تمردًا على ثقافة القشرة المعرفية
في زمن الضجيج الرقمي قد تكون شراء صحيفة ورقية أجرأ فعل ثوري نقدم عليه لنقول نحن لسنا مجرد مستهلكين للبيانات بل بشر يحتاجون أن يتذوقوا المعرفة بكل حواسهم



