مقالات

العُرف القبلي والشرع ….. أصالة تُصان وعدل يُحفظ … بقلم الإعلامي والكاتب محمد حسين ال دوبان

الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والعدوان، وجعل الحق ميزانًا بين الناس، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

في مجتمعنا القبلي موروث عريق تناقلته الأجيال، يحمل في طياته الكثير من القيم النبيلة التي نفخر بها ونعتز، من الكرم والنخوة والشجاعة وإغاثة الملهوف وإكرام الضيف وصلة الرحم وحفظ الجيرة وإصلاح ذات البين والوقوف مع المظلوم.

وهذه القيم الجميلة جزء من أصالة المجتمع، وهي قيم لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، بل إن كثيرًا منها من مكارم الأخلاق التي جاء الإسلام بتأكيدها وترسيخها.

لكن الاعتزاز بالموروث لا يعني أن كل عادة تصبح حكمًا، ولا أن كل عرف يصبح ملزمًا، ولا أن قدم العادة يمنحها حق التقدم على شرع الله.

وهنا تأتي القاعدة التي يجب أن تكون حاضرة في كل زمان ومكان، حكم الله عز وجل فوق كل حكم، وشرع الله فوق كل عرف، ولا حكم قبلي أفضل من حكم الشرع.

حكم الله فوق كل حكم

قال الله تعالى، «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ».

وقال سبحانه، «فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا».

وهذا أصل عظيم يضع الأمور في مواضعها الصحيحة.

فالقبيلة لها مكانتها الاجتماعية، والعرف له اعتباره، ومشايخ القبائل وأهل الإصلاح لهم دور مهم في المجتمع، ولكن كل ذلك لا يكون فوق شريعة الله.

فالمرجع عند الاختلاف هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والعدل هو الميزان الذي ينبغي أن يحكم علاقات الناس.

ولا ينبغي أن يصل الأمر إلى الاعتقاد بأن عرفًا متوارثًا يمكن أن يكون أفضل من حكم شرعي، أو أن الانتماء القبلي يبرر مخالفة الحق.

فالشرع أولًا، والحق أولًا، والعدل أولًا.

العرف في ميزان الشريعة

الشريعة الإسلامية لم تأت لإلغاء كل ما اعتاده الناس، وإنما جاءت بضوابط تحفظ الخير وتمنع الظلم.

فما كان من العرف موافقًا للشرع، محققًا للمصلحة، حافظًا للحقوق، معينًا على الإصلاح، فهو من العادات التي يمكن المحافظة عليها.

أما إذا خالف العرف حكمًا شرعيًا، أو أدى إلى ظلم، أو أسقط حقًا، أو ألزم الإنسان بما لا يلزمه شرعًا، فهنا يجب أن تتوقف العادة عند حدود الشرع.

وقد تناول أهل العلم مسألة الأعراف والعادات القبلية، وقرروا أن ما وافق الشرع منها فلا حرج فيه، أما ما خالف الشرع فلا يجوز جعله ملزمًا للناس.

وهذا هو الفاصل الذي ينبغي أن يكون واضحًا للجميع، نحترم العرف في موضعه، ولكن لا نقدمه على الشرع.

الدين قبل العادة

قد تستمر بعض العادات سنوات طويلة، حتى يظن الناس أن قدمها دليل على صحتها.

لكن الحق لا يعرف بقدم العادة، ولا بكثرة من يعمل بها.

قال الله تعالى، «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا».

فالآباء والأجداد لهم قدرهم ومكانتهم، ونحفظ لهم ما تركوه من القيم والمواقف النبيلة، لكن المرجع في الحلال والحرام والحقوق والواجبات هو شرع الله.

والوفاء للأجداد لا يكون بمخالفة الشرع من أجل عادة، وإنما يكون بالمحافظة على أجمل ما تركوه لنا من أخلاق وقيم ومواقف.

الصلح والإصلاح في ميزان الشرع

من أجمل ما في الموروث القبلي قيمة الإصلاح بين الناس، وهذه قيمة عظيمة جاءت بها الشريعة وحثت عليها.

قال الله تعالى، «وَالصُّلْحُ خَيْرٌ».

وقال سبحانه، «لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ».

وقال تعالى، «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ».

وهنا يظهر المعنى العظيم، فالقرآن لم يذكر الإصلاح مجردًا، بل قرنه بالعدل.

ولهذا فالصلح الحقيقي لا يكون على حساب المظلوم، ولا يكون بإهدار الحقوق، ولا يكون بفرض ما لا يقره الشرع.

إذا كان الصلح يعيد الحق ويطفئ الخصومة ويحفظ الكرامة، فهو إصلاح محمود.

أما إذا كان يؤدي إلى ظلم طرف أو إسقاط حق ثابت، فهنا يحتاج إلى مراجعة وتصحيح.

فالصلح الذي يقوم على العدل إصلاح، والصلح الذي يقوم على الظلم ليس من مقاصد الشريعة.

حين يتحول العرف إلى ضغط

المشكلة ليست في وجود العرف، وإنما في تحوله من وسيلة اجتماعية للإصلاح إلى ضغط على الإنسان.

فإذا وجد شخص نفسه مضطرًا إلى قبول أمر لا يريده لمجرد أن هذه عادة القبيلة، أو طُلب منه التنازل عن حقه حتى لا يخالف الجماعة، أو حُمّل ما لا يلزمه شرعًا، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل، هل ما زال هذا العرف يحقق الإصلاح، أم أصبح سببًا في الظلم؟

هذا السؤال لا يمثل إساءة إلى القبيلة، بل يمثل حرصًا عليها.

فالقبيلة التي تحفظ حقوق أبنائها أقوى، والتي تنصف المظلوم أرفع مكانة، والتي تجعل العدل أساسًا لأعرافها أكثر احترامًا وهيبة.

مسؤولية مشايخ القبائل وأهل الإصلاح

لمشايخ القبائل وأهل الإصلاح مكانة كبيرة، وكلمتهم مسموعة، ودورهم في جمع الكلمة وإنهاء الخصومات وإصلاح ذات البين محل تقدير.

لكن هذه المكانة تحمل مسؤولية عظيمة.

فالمصلح الحقيقي يجعل الحق أمامه، والعدل ميزانه، ورضا الله غايته.

والشيخ الذي ينصف المظلوم ولو كان من غير قبيلته، ويعطي كل ذي حق حقه ولو كان الحق على قريبه، هو الذي يرفع شأن قبيلته ويحفظ مكانتها.

قال الله تعالى، «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ».

وهذا ميزان عظيم، فالحق لا يتغير بسبب القرابة، ولا بسبب القبيلة، ولا بسبب المكانة الاجتماعية.

الاعتزاز بالقبيلة لا يعني التعصب

الاعتزاز بالقبيلة والنسب ليس هو المشكلة، وإنما المشكلة عندما يتحول الاعتزاز إلى تعصب يجعل الإنسان ينصر قومه في الحق والباطل.

فالنخوة الحقيقية أن تقف مع المظلوم، لا أن تقف مع الظالم لأنه من قبيلتك.

والوفاء الحقيقي أن تنصر الحق، لا أن تنصر القريب في الخطأ.

والشرف الحقيقي أن تحفظ حقوق الناس، لا أن تسقط حقوقهم باسم العرف.

فالقبيلة حين تكون سندًا للحق تكون قوة للمجتمع، وحين يكون أهلها عونًا على الإصلاح تكون مصدرًا للخير، وحين يحتكم أبناؤها إلى العدل تكون مكانتها أرسخ وأبقى.

الأصالة الحقيقية

الأصالة ليست في أن نتمسك بكل ما ورثناه دون مراجعة.

الأصالة أن نعرف قيمة ما ورثناه، ونحافظ على الجميل منه، ونترك ما يخالف الشرع أو يوقع في الظلم.

نحافظ على الكرم، والنخوة، والشجاعة، والوفاء، وإغاثة الملهوف، وإكرام الضيف، وصلة الرحم، وحفظ الجيرة، وإصلاح ذات البين.

هذه قيم تستحق أن تبقى وأن تنتقل إلى الأجيال.

أما العادة التي تحتاج إلى تصحيح، فإن تصحيحها لا يعني التخلي عن الأصالة، بل يعني حماية الأصالة من أن تختلط بما لا يليق بها.

مسؤوليتنا أمام الله

إن الحديث عن الأعراف والعادات ليس حديثًا اجتماعيًا مجردًا، بل هو مسؤولية أمام الله عز وجل.

فمن كانت له كلمة مسموعة، أو كان له دور في الإصلاح، أو شارك في حل خصومة، عليه أن يتقي الله في حقوق الناس.

لا يجعل العرف فوق الشرع، ولا يجعل رضا الجماعة فوق الحق، ولا يجعل المحافظة على عادة سببًا في ظلم إنسان.

قال الله تعالى، «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ».

وهذه الآية العظيمة تختصر جانبًا كبيرًا من طريق الإصلاح، أداء الأمانة، والعدل بين الناس، والبعد عن الظلم.

إننا لا نريد مجتمعًا يتخلى عن موروثه، كما أننا لا نريد مجتمعًا يجعل العادات فوق الشريعة.

نريد أن تبقى النخوة، ولكن مع العدل.

ونريد أن يبقى الإصلاح، ولكن دون ظلم.

ونريد أن تبقى مكانة القبيلة، ولكن دون تعصب.

ونريد أن تبقى العادات الجميلة، ولكن في إطار شرع الله.

وهنا تكون الأصالة الحقيقية، أن نحفظ ما هو جميل من موروثنا، وأن نملك الشجاعة لتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح.

فليس من الوفاء للماضي أن نتمسك بالخطأ لمجرد أنه قديم، وليس من الحكمة أن نجعل العادة ميزانًا للحق.

حكم الله عز وجل فوق كل حكم، وشرع الله فوق كل عرف، ولا حكم قبلي أفضل من حكم الشرع.

هذه ليست دعوة إلى إلغاء القبيلة، ولا إلى محاربة الموروث، وإنما دعوة إلى وضع كل شيء في موضعه الصحيح.

فالقبيلة عز وفخر، والموروث تاريخ وهوية، والعرف وسيلة للإصلاح، ولكن شرع الله هو المرجع، والعدل هو الأساس، والحق هو الغاية.

وما وافق الشرع من عاداتنا نحافظ عليه ونفتخر به، وما خالفه نراجعه ونصححه بالحكمة، لأن المسلم لا يجعل العادة فوق الحق، ولا يجعل الانتماء فوق العدل.

نحفظ أصالتنا، ونصون حقوقنا، ونحتكم إلى شرع الله، ونجعل العدل أساسًا لكل إصلاح .

بقلم المستشار الإعلامي / محمد حسين ال دوبان الوادعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى