مقالات

حين يصبح الأمن السيبراني قرارًا إداريًا

بقلم: م. محمد هاشم البدرشيني

عند الحديث عن الحوادث السيبرانية، غالبًا ما ينصبّ التركيز على الجانب التقني من حيث الثغرات أو أدوات الحماية أو الهجمات الخارجية المتقدمة. غير أن الواقع العملي يُظهر أن كثيرًا من الإخفاقات السيبرانية لا تعود إلى ضعف التقنية بقدر ما تعود إلى طريقة إدارة القرار الأمني داخل المؤسسة.

في عدد من الحالات، تكون المؤشرات التحذيرية موجودة مسبقًا، لكن التعامل معها يتأخر أو يُخفَّف أو يُؤجَّل لأسباب إدارية أو تنظيمية. هنا لا يكون الخلل في نقص المعرفة، بل في تقدير الأولويات وكيفية الموازنة بين متطلبات التشغيل ومتطلبات الحماية.

الأمن السيبراني لا يعمل بمعزل عن السياق المؤسسي. فعندما تُمنح الصلاحيات دون مراجعة دورية، أو تُنفَّذ الأنظمة دون إطار حوكمة واضح، أو تُختصر المراجعات الأمنية بحجة السرعة، فإن المخاطر لا تختفي، بل تنتقل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا وصعوبة في الاكتشاف.

كما أن الاعتماد المفرط على الأدوات التقنية، دون تمكين فرق الأمن من المشاركة في صناعة القرار، يخلق فجوة بين ما هو مطلوب أمنيًا وما هو متاح إداريًا. هذه الفجوة غالبًا ما تكون المساحة التي تتسلل منها الحوادث السيبرانية.

إن التعامل الناضج مع الأمن السيبراني يتطلب النظر إليه بوصفه مسؤولية مشتركة تبدأ من القيادة، وتمتد إلى السياسات، وتترسخ في الثقافة التنظيمية. فالسؤال لم يعد: هل نملك أدوات حماية متقدمة؟
بل: هل نملك إطارًا واضحًا لاتخاذ القرار الأمني في الوقت المناسب؟

المؤسسات التي تنجح في تقليل المخاطر الرقمية هي تلك التي تنظر إلى الأمن السيبراني باعتباره عنصرًا من عناصر الحوكمة، لا مجرد وظيفة تقنية. فالثقة، واستمرارية الأعمال، وحماية السمعة المؤسسية، كلها تبدأ من قرارات واعية قبل أن تبدأ من أنظمة متقدمة.

وفي عالم تتسارع فيه التهديدات الرقمية، يبقى الوعي الإداري خط الدفاع الذي لا يمكن تعويضه بأي تقنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى