
ظاهرة إيداع الآباء في دور المسنين: قطيعة اجتماعية أم ضرورة حياتية بقلم الاعلاميه فاطمة الصفيان
في مجتمعنا العربي، يحتل احترام الوالدين وتقديرهم مكانة عظيمة، باعتبارهم أساس بناء الأسرة والمجتمع ومع ذلك، ظهرت في العقود الأخيرة ظاهرة مؤلمة تهدد هذا الموروث القيمي، وهي إيداع الآباء في دور المسنين دون زيارتهم أو متابعة أحوالهم. فما الأسباب التي تدفع الأبناء إلى اتخاذ هذا القرار؟ وكيف تؤثر هذه الظاهرة على الأفراد والمجتمع ككل؟
الأسباب خلف الظاهرة ،
1. ضغوط الحياة المعاصرة ،،
في عصر تسوده السرعة والانشغال الدائم، يعاني الأبناء من صعوبة في التوفيق بين واجباتهم المهنية والاجتماعية وأدوارهم الأسرية ، قد يرون أن دور المسنين يوفر بيئة آمنة وخدمات طبية واجتماعية للآباء، خاصة عندما يعجزون عن تقديم الرعاية المطلوبة بأنفسهم ،
2. التفكك الأسري ،،
تعاني بعض الأسر من ضعف الروابط العائلية نتيجة التفكك أو الانشغال المفرط بالحياة المادية ،وفي غياب ثقافة التواصل والاحترام المتبادل، قد يعتبر الأبناء رعاية الوالدين عبئًا بدلاً من واجب أخلاقي وإنساني ،
3. ضعف القيم الأسرية ،،
مع تراجع دور الأسرة الممتدة وتزايد النزعة الفردية، باتت القيم التي تربط الأجيال تتآكل شيئًا فشيئًا ، هذه النزعة أسهمت في تهميش دور الآباء والأجداد، وجعلت البعض يرى في دور المسنين حلاً بديلاً عن الالتزام الشخصي ،
الآثار النفسية والاجتماعية ،،
1. تأثير على الآباء ،،
يشعر الآباء الذين يعيشون في دور المسنين دون زيارات من أبنائهم بالعزلة العاطفية والخذلان ، قد يؤدي هذا الشعور إلى الاكتئاب وفقدان الثقة بالحياة، خاصة لدى من كانوا يضحون بكل شيء من أجل أبنائهم،
2. تأثير على الأبناء ،،
رغم اعتقاد البعض أنهم يهربون من المسؤولية، إلا أن هذا القرار يحمل تداعيات نفسية طويلة الأمد ، الشعور بالذنب والندم قد يلاحق الأبناء، خاصة عند مواجهة فقدان الوالدين دون أن يكونوا بجانبهم ،
3. انعكاسات على المجتمع ،،
إهمال الأبوين يسهم في إضعاف النسيج الاجتماعي، حيث تترسخ فكرة القطيعة بدلاً من التضامن الأسري ،كما يعكس هذا السلوك تراجعًا في القيم الإنسانية التي تعدّ جوهر المجتمعات المتحضرة ،،
البدائل الممكنة ،،
بدلاً من اللجوء إلى الحلول القاسية، يمكن للأبناء تبني خيارات أخرى تعزز من شعور الوالدين بالاحتواء، مثل:
• إشراك الوالدين في الحياة اليومية، حتى لو كان ذلك عبر زيارات قصيرة أو مكالمات هاتفية منتظمة ،
• توفير رعاية منزلية، عبر الاستعانة بمساعدين متخصصين إذا تطلب الأمر، مع الاحتفاظ بالوالدين في بيئتهم الطبيعية ،
• تعزيز الوعي المجتمعي، من خلال الحملات التي تركز على أهمية بر الوالدين واحترامهم، وتسليط الضوء على معاناة الآباء في دور المسنين ،
خاتمة :
إن إيداع الآباء في دور المسنين دون زيارتهم ليس مجرد مسألة شخصية بين الآباء والأبناء، بل هو مؤشر على أزمة قيمية وأخلاقية تعاني منها المجتمعات ،إن احترام الوالدين ورعايتهم ليس فقط واجبًا دينيًا وأخلاقيًا، بل هو معيار لمدى تحضرنا وإنسانيتنا ، وفي النهاية، يبقى السؤال: كيف يمكننا أن نطالب أبناءنا ببرّنا في المستقبل، إذا فشلنا نحن في تقديم القدوة لهم اليوم؟



