مقالات

الإنسان الاحتياطي

لمن ينتظر دوره في الظل… بصبر النبلاء

في كل مكان هناك من يلعب دور الإنسان الاحتياطي، ذاك الذي لا يُستدعى إلا عند الغياب، ولا يُذكر إلا عند الحاجة. ليس سيئًا في ذاته، بل غالبًا هو الأفضل، الأكفأ، الأهدأ… لكنه لا يُمنح الفرصة الأولى. لا يُدعى أولًا، لا يُختار بداية، ولا يُحتفى به كما يُحتفى بغيره. يعيش في هامش اللحظة، لكنه هو من يرممها حين تنكسر.

هو الصديق الذي لا تُفتح له الأبواب إلا حين تُغلق كل الأبواب الأخرى، والموظف الذي يُحمّل المهام لأنه “يُعتمد عليه”، والشريك الذي لا يظهر اسمه إلا بعد أن تخيب التجارب الكبرى. هو الحضور الصامت، والعطاء المؤجل، والبطولة التي لا يُصفق لها أحد.

الغريب أن هذا الإنسان لا يشتكي، بل يبتسم، ويُجيد دوره كأنه كُتب له. لا يطلب التقدير، ولا يصر على الأضواء، لأنه ببساطة تعوّد أن يكون في الخلف، في الظل، في المنطقة الآمنة التي لا أحد يراها، لكنها تنقذ الكل حين تتعثر الخطة.

الموجع ليس في كونه احتياطيًا، بل في تحوّل ذلك إلى مصير لا يتغير، قدر لا يُراجع، كأن طيبته ومرونته أصبحت سببًا دائمًا لتأجيله. كم من شخص يعيش هذا الدور يوميًا دون أن يلتفت له أحد؟ كم من مرة شعرت أنك لست الخيار الأول، لا في العمل ولا في العلاقات ولا حتى في نظرة الآخرين لك؟

لا أكتب هذا لتدفعك الكلمات إلى السخط أو الغضب، بل لأقول لك: إن الكثير من العظماء مرّوا من هذه الزاوية، وإن الأضواء لا تصنع القيمة… بل الموقف، والثبات، والنُبل.

قد لا تكون أول من يُذكر، لكنك غالبًا آخر من يُنسى.

والفرق عميق جدًا بين الاثنين.

قد لا تكون البداية، لكنك غالبًا السبب في أن لا تكون النهاية انكسارًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى