
في حضرة الشعر والمكان والروح .. حوار خاص مع الشاعر العُماني عبدالله الحكماني
أعداد وتقديم: أ. عبدالرحمن الكتبي- صحيفة أخباركم
تلتقي صحيفة أخباركم اليوم بشاعر لا يُشبه إلا ذاته، شاعرٍ تنفس الشعر منذ طفولته، ونضجت تجربته على نار الوعي والقراءة والتأمل. عبدالله بن سعود الحكماني، شاعر وكاتب من سلطنة عُمان، عرك الحياة مبكراً بالكلمة، فامتزج في قصائده النبض الإنساني بهمّ المكان، واستضاءت تجربته بمحطات أدبية متعددة، جعلت منه أحد أبرز الأصوات الشعرية في الخليج العربي.
في هذا الحوار، نقترب من عوالمه، ونسبر أغوار تجربته، ونتوقف معه عند مفاصل رؤيوية تعكس عمق الشاعر الذي ما زال يكتب بروح العاشق القديم والطفل الذي لا يزال يندهش بالحرف.
نص الحوار:
صحيفة أخباركم: بدايةً، أهلاً وسهلاً بك شاعرنا عبدالله.
عبدالله: أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم ومن دواعي سروري أن أتواجد في صحيفة أخباركم هذه الصحيفة المعروفة بدورها الإعلامي الريادي والمؤثر سواءً في المملكة العربية السعودية أم في الخليج والوطن العربي.
س: من هو عبدالله الحكماني؟
عبدالله: عبدالله بن سعود بن سعيد الحكماني، شاعر وكاتب من سلطنة عُمان.
س: كيف بدأت رحلتك مع الشعر؟ ومتى شعرت أن الكلمة قدرك الذي لا مفر منه؟
عبدالله: بدأت علاقتي بالشعر منذ الطفولة، حين حفظت أولى القصائد في سن الخامسة تقريباً– على ذمة الذاكرة. أما الكتابة، فقد بدأت في عام 1999، حين كنت طالباً في الصف الثالث الإعدادي، وكان عمري خمسة عشر عاماً. أظن أن شغفي بكتابة الشعر جاء تتويجاً لعشرات القصائد التي حفظتها قبل ذلك، سواء من والدي – الذي كان محباً للشعر ويحفظ الكثير منه – أو من البيئة المحيطة بي، الغنية بالفنون الشعبية والشعر.
س: من أين تستمد قصيدتك؟ من الذات؟ من الواقع؟ أم من الحلم؟
عبدالله: قصيدتي تنبع أساساً من الواقع، لكن الخيال أيضاً حاضر فيها بقوة. فالمراحل الزمنية التي نمر بها، بما فيها من تبدلات، تلعب دوراً في هذا المزج بين الواقع والخيال، كما أن نوع الموضوع يؤثر في أسلوب الكتابة.
س: ما أبرز المحطات التي شكّلت تجربتك الشعرية؟
عبدالله: يمكن تقسيم تجربتي الشعرية إلى أربع مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى: من أول قصيدة كتبتها في المدرسة عام 1999، حتى آخر قصيدة كتبتها وأنا طالب في كلية التربية عام 2007. وهي مرحلة أتبرأ منها فنيًا لعدم رضاي عنها.
المرحلة الثانية: جاءت نتيجة دراستي للأدب العربي أكاديمياً وقراءتي للمجلات الشعبية مثل “المختلف”، و”فواصل”، و”جواهر الأدب”، إضافة إلى الدواوين الفصيحة والنبطية. هذه المرحلة امتدت من 2007 إلى 2011، ووثقتها في ديواني الأول ترجمة مشاعر.
المرحلة الثالثة: بدأت بعد انفتاحي على مواقع التواصل الاجتماعي، وتوسعت فيها قراءاتي الحرة، وقد وثقت هذه المرحلة في عدد من الدواوين.
أما المرحلة الرابعة، التي أعيشها حالياً، فقد بدأت تقريباً منذ عام 2020، وتركزت على شعر الحكمة وخلاصة التجربة، وأعتقد أن بلوغي الأربعين ساهم في هذا التوجه.
والحديث هنا عن الشعر الشعبي تحديداً، إذ أكتب أيضاً في الأدب الفصيح.
س: هل هناك شعراء أو كتب كان لها تأثير في تكوينك الأدبي؟
عبدالله: بلا شك، لكنني لا أركز على اسم بعينه. كنت أستمع منذ الصغر للشعر المحلي والأغاني الشعبية، وخصوصاً من الإمارات مثل علي بن روغة وميحد حمد، والشلات العُمانية مثل ناصر بن عبيد الجنيبي.
ثم توسعت في متابعة الشعر الخليجي عبر المجلات والفضائيات، وقرأت الشعر الفصيح من المعلقات إلى نزار قباني ومحمود درويش، مروراً بالمتنبي وأبي تمام والبحتري. وما زلت إلى اليوم أقرأ وأستمع للشعر بشتى أنواعه.
س: كيف ترى العلاقة بين الشاعر والمكان؟ وما أثر عُمان في شعرك؟
عبدالله: العلاقة بين الشاعر والمكان عاطفية وعميقة، تختلف حسب طبيعة الشاعر وظروف المكان. أما أنا، فعلاقتي بمكان النشأة تحديداً علاقة وجدانية قوية، كتعلق الطفل بوالديه. كتبت كثيراً عن المكان ومنه وفيه. وعُمان، بكل تفاصيلها، ليست جزءًا من شعري فقط، بل من حياتي كلها. جُلت في ربوعها – في صحاريها وجبالها وسواحلها – واستلهمت منها معظم نصوصي، شعراً ونثراً.
س: قصيدتك تتسم بالرمز والصورة، هل هذا توجّه مقصود؟
عبدالله: لا أتعمد الرمز بشكل مباشر، لكنه حاضر أحياناً. أما الصورة والمجاز، فأحرص على توظيفهما بشرط أن يكون لهما دلالة حقيقية، لا أن تطغى عليهما الصنعة. وإن رأيت أن الفكرة والمعنى يغنيان عن الصور، أطلق النص كما هو، بانسيابيته.
س: هل تكتب القصيدة حين ترغب، أم حين تداهمك؟
عبدالله: أكتب في الحالتين، لكنني أراجع القصيدة أحياناً بعد كتابتها، وفي أحيان أخرى أتركها كما هي، خاصة إن كانت قصيرة أو مجرد أبيات.
س: كيف تتعامل مع النقد؟ وهل ترى أن النقد الأدبي ينصف الشعراء اليوم؟
عبدالله: بكل صراحة، لا يعنيني النقد كثيراً، رغم أنني حاصل على ماجستير في النقد الأدبي، وقرأت كثيراً من الدراسات والمقالات النقدية. لكني توصلت إلى قناعة بأن النقد عمل تنظيري، في حين أن الشعر تحليق في فضاءات لا يصل إليها أغلب النقاد. لذلك من الطبيعي ألا يُنصفوا الشعر دائماً، رغم اجتهاد بعضهم.
س: هل ترى أن الوسائط الحديثة تخدم الشاعر أم تستهلكه؟
عبدالله: وسائل التواصل الحديثة أسهمت كثيراً في خدمة الشعر والشعراء، إذ كسرت احتكار بعض القائمين على المشهد الثقافي، ومكّنت أي مبدع من الوصول مباشرة إلى جمهوره دون وسطاء. ومن الأدلة على ذلك، عودة الكثير من القصائد القديمة للظهور وتحقيقها تفاعلاً كبيراً على هذه الوسائط.
س: كيف تقيّم حال الشعر العربي اليوم؟ هل الأزمة في الشعر أم في القارئ؟
عبدالله: الشعر العربي سيبقى ما نفاخر به الأمم. نحن أمة شعر منذ القدم. هل توجد أمة أخرى أنجبت شاعراً مثل المتنبي؟
أما مسألة القراءة، فالشعر الشعبي ما يزال متداولاً شفهياً بينما الفصيح يحتاج إلى قارئ متذوق. المشكلة تكمن أحياناً في عدم تقبّل البعض للتجديد والحداثة في الشعر، وليس في غياب القارئ تماماً
س: لو لم تكن شاعراً، ماذا كنت ستكون؟
كنت سأكون إمام مسجد أو شيخ دين. نشأتي كانت دينية بحتة؛ فوالدي كان يؤمّ الناس، وجدي كان مؤذناً، وأنا كنت أنوب عنهما في الإمامة والأذان. بل تراودني أحياناً فكرة ترك الشعر والعودة إلى المسجد!
س: ما مشروعك الشعري القادم؟
عبدالله: لا أعلم… ومن قال “لا أعلم” فقد أفتى!
س: أخيراً ماذا تقول للجيل الجديد من الشعراء؟
عبدالله: لا أجيد النصح كثيراً، لكنني أقول لهم: “اكتبوا مشاعركم وأفكاركم بصدق، ولا تكونوا نسخاً مكررة من غيركم.”
الخاتمة:
بهذه الرؤية المتّقدة بالإيمان بالكلمة والوفاء للقصيدة، يضع عبدالله الحكماني بصمته في خريطة الشعر العربي الحديث، شاعراً يرى الشعر زاداً داخلياً ومعبراً عن الذات، ويظل، كما صرح لـ صحيفة أخباركم، منفتحاً على التجربة بكل تحولاتها.
نترككم مع هذه السطور التي لا تودّع شاعراً، بل تفتح أبواب القراءة على تجربته لمن أراد أن يصغي إلى نبض القصيدة العمانية بنسغها العميق وهوائها العابر للحدود.



