مقالات

في متاهة الصمت والضياع . بقلم الكاتبه البندري عبدالرحمن الزهراني

وسط بحرٍ لا شطآن له، أُبحر دون وجهة، بلا بوصلةٍ تهديني، ولا ريحٌ تدفع شراعي، أطفو بين الضياع والعدم، ويكأن العالم يُمعن في غيابه عني، أو ويكأني الغائب الوحيد عن هذا العالم الصاخب.

الفراغ ليس غياب الأشياء من حولي، بل غياب معناها، غياب الشعور الذي يعطي كل لحظة قيمتها.
كل يوم يمر هو نسخة أكثر تشوهًا من سابقه، لا جديد يكسر السكون، ولا صفعةً توقظ الروح.

الوقت يمر، لكنني لا أتحرك.
وكأنني حجرٌ في قاع نهر، تمر فوقه المياه، فنُحتت عليه انحناءات الزمن.
في هذا الفراغ، يصبح الصمت صديقاً ثقيل الظل، والأفكار كضيفٍ يأبى المغادرة، تتسلل إليّ كطيف ليل يأخذني بعيداً إلى أماكن لم أطلب الذهاب إليها.
أبحث عن نفسي في زوايا الذاكرة، لكنني لا أجدني.

ربما الفراغ إنتظار دون نهاية، أو هو رحيل بلا وداع.
هو ذلك الشعور بأنك تحمل حقيبة ممتلئة، لكنك لا تعرف ما الذي بداخلها، ولا أين يجب أن تذهب بها.
قد يُقال إن الفراغ هو دعوة للبدء من جديد، لكن كيف تبدأ من نقطة لا علم لك بموقعها؟ كيف تعيد ترتيب فوضى دواخلك إن كانت لا تُلمس؟

أشتاق لشيءٍ لا أستطيع تسميته، شيء تفاصيلهُ ضاعت في المجهول.
أشتاق لإحساس يعيد لي صوتي، ضحكةً تقتحم هذا الصمت العتيق، معانٍ أسقِ بها أرضي الجدباء.

لكن حتى تلك الأمنية تبدو بعيدة، مثل نجم خافت على أطراف السماء، أراه لكن لا أصل إليه.
أسير في صحراء شاسعة بلا خريطة، أبحث عن ظلٍّ، عن نبعٍ، أو عن غيمةٍ تُمطرني ببعض الأمل، لكن كل ما أرى هي رمال الزمن التي تناثرها الريح من بين أصابعي.

هذا هو الفراغ… يجعل من اليوم الطويل أطول، ومن الغد المنتظر أثقل.
هو ذلك الشعور بأن كل شيء من حولك يتحرك، إلا أنت.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى