مقالات

التنمر على النقاب في المنصات الرقمية سخرية متنكرة تحت شعار حرية التعبير بقلم الكاتبه والاعلاميه روان البقمي

في وقتٍ يتسع فيه الفضاء الرقمي لتبادل الآراء وتنوّع المظاهر والاختيارات الشخصية، تبرز بين الحين والآخر أصواتٌ تسعى لفرض رؤيتها على الآخرين، ولو بالازدراء والسخرية.

مؤخرًا، أثارت تغريدة لإحدى المستخدمات على منصة X موجة من الجدل، بعد أن وصفت النساء المنقّبات بأنهن “فرجة” في الأماكن العامة، في تعبيرٍ يعكس حالة مؤسفة من التحامل والسطحية الثقافية تجاه أحد أكثر الرموز خصوصية واحترامًا في المجتمع.

السخرية من النقاب – تحت غطاء حرية التعبير – لا يمكن فصلها عن خطاب الكراهية، لا سيما حين تُستخدم ألفاظٌ تنزع عن الإنسان إنسانيته، وتحوّله إلى موضع استهزاء بصري ولفظي.
هذا التحقيق يسلّط الضوء على هذه الظاهرة، ويستعرض الجوانب الشرعية والقانونية والنفسية والاجتماعية المرتبطة بها.


الجانب القانوني:

يؤكد مختصون في القانون أن الاستهزاء بالمظهر الشخصي المرتبط بالمعتقد أو الخصوصية الدينية يُعد من أشكال التنمّر الإلكتروني، وقد يندرج تحت طائلة الجرائم المعلوماتية إذا تضمن إساءة صريحة أو تحريضًا على الكراهية أو انتهاكًا للكرامة.

وبحسب نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية في المملكة العربية السعودية، فإن من يرتكب فعلاً يُعد مساسًا بالحياة الخاصة أو يتضمن تشهيرًا بالآخرين عبر الوسائل التقنية، يُعاقب بالسجن مدة تصل إلى سنة، أو بغرامة تصل إلى 500 ألف ريال، أو بهما معًا.

كما تنص اللائحة التنفيذية للذوق العام على أن كل قول أو فعل يتضمن إساءة للرموز الدينية أو انتهاكًا لخصوصية الأفراد في الأماكن العامة يُعد مخالفة تستوجب المحاسبة.


الرأي الشرعي:

يرى علماء الشريعة أن الاستهزاء بالشعائر الدينية أو رموزها، تصريحًا أو تلميحًا، يُعد من كبائر الذنوب، لما فيه من تعدٍّ على ما عظّمه الله، واعتداءٍ على حريات الآخرين المكفولة شرعًا.

ويُعد النقاب من الشعائر المرتبطة بستر المرأة، وقد أجمعت المذاهب على مشروعيته، بل أوجبه بعض العلماء في ظروف معيّنة. وعليه، فإن السخرية منه أو ممن ترتديه تُعد استهزاءً بعلامة دينية ظاهرة، لا يبرره اختلاف فكري أو ثقافي.


الأثر النفسي والاجتماعي:

رغم حملات التنمر والسخرية التي تستهدف المنقّبات عبر المنصات الرقمية، تؤكد كثير من النساء أن هذه المحاولات لا تمس قناعتهن ولا تضعف تمسّكهن بالنقاب، باعتباره شعيرة دينية ثابتة، فُرضت من الله، ولا تتأثر بتعليقات عابرة أو رؤى متطرفة.

وترى أصوات نسائية أن هذه الممارسات تعكس جهلًا بثوابت الدين، وضعفًا في احترام التعدّدية الفكرية والاجتماعية. ويؤكدن أن من اعتصم بدين الله لا تهزّه كلمات الجاهلين، وأن النقاب لم يكن يومًا عائقًا، بل هو امتداد لهويةٍ واعية راسخة.

رغم أن الحادثة وقعت خارج المملكة، إلا أن نساء هذا الوطن يخرجن بنقابهن بثقة، داخل المملكة وخارجها، مستندات إلى قناعة دينية راسخة، وبدعم من دولة جعلت من حماية أبنائها مسؤولية لا تُساوَم.

فالمملكة العربية السعودية لا تكتفي بحماية حقوق مواطنيها داخل حدودها، بل تمتد مسؤوليتها القانونية والدبلوماسية لحماية كرامتهم وحقوقهم خارجها أيضًا، بما يضمن لهم حرية ممارسة شعائرهم والتعبير عن هويتهم دون انتقاص أو إساءة.

وفي عالمٍ تتعدد فيه الأصوات على المنصات الرقمية، تبقى ثوابتنا الدينية والاجتماعية هي الصوت الأعلى… والأبقى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى